خلاصة:
من الناحية التاريخية، كانت الهيمنة على إحدى المذاهب الفقهية في أجزاء معينة من الأراضي الإسلامية دائمًا موضوعًا جديرًا بالاهتمام ويحتاج إلى الدراسة. بعد وقت قصير من استقرار الحكم الأموي في الأندلس، أصبح المذهب المالكي هو المذهب الرسمي للمسلمين في هذه الأرض واستبدل مذهب الأوزاعي. في حين أن المذهب السائد في شرق العالم الإسلامي كان المذهب الحنفي، وكانت موطن الفقه المالكي أيضا في المدينة. تسعى هذه الدراسة إلى فحص الخلفيات والأسباب التي دفعت الحكومة والشعب الأندلسيين إلى التوجه نحو المذهب المالكي والعوامل التي حافظت على الفقه المالكي خلال فترة الحكم الأموي في الأندلس باستخدام النهج التحليلي والاعتماد على المصادر التاريخية. أظهرت نتائج البحث أن رحلات الفقهاء الأندلسيين إلى مراكز المذهب المالكي لعبت دورًا هامًا في ترويج مذهب المالكي بين أهل الأندلس، وأن دعم الحكومة الأندلسية للمذهب المالكي قد سرع من عملية ترسيخه. كما أن بساطة التفكير لدى غالبية المسلمين في الأندلس كانت تتناسب أكثر مع منظور وأصول المذهب المالكي، مما ساهم في تمهيد الطريق لسيادة المذهب المالكي.
ملخص الجهاز:
يسعى هذا البحث إلى استكشاف العوامل والعناصر المؤثرة في انتشار وهيمنة المذهب المالكي في الأندلس والإجابة على هذا السؤال: مع الأخذ في الاعتبار أن منشأ الفقه المالكي هو المدينة المنورة، كيف تمكن هذا المذهب من الانتشار في الأندلس والترسخ في هذه الأرض في القرن الثالث الهجري ليشكل مذهب غالبية المسلمين، بينما كان أتباع المذاهب الأخرى في ضيق وحرج؟ من خلال مراجعة الدراسات والأبحاث التي أجريت حول الأندلس، تبين أنه على الرغم من أهميته، لم يحظ هذا الموضوع باهتمام الباحثين المحليين، ولم يتم إجراء بحث جدير ومستقل في هذا المجال حتى الآن.
من أهم تلاميذ الشبطون، يحيى بن يحيى الليثي من أهل قرطبة الذي تعلم الموطأ لمالك منه، وتشجيعًا منه قام بأول رحلة له إلى الحجاز في سن 28 عامًا وتعلم بنفسه من مالك (نفس المصدر، 898/2)، وبعد عودته إلى الأندلس، بذل جهودًا كبيرة في الترويج للمذهب المالكي، بحيث قال مؤلف وفيات الأعيان أنه "أكمل نشر المذهب المالكي في الأندلس" (ابن خلكان، 144/4).
من خلال دراسة المصادر التاريخية، نرى العديد من الرحلات التي قام بها فقهاء مذهب الأوزاعي في الأندلس إلى الحجاز وتلقي العلم عن مالك وأصحابه، والذين تأثروا به واعتنقوا المذهب المالكي، مثل سعيد بن عبدوس الذي تعلم عند مالك في المدينة المنورة وعندما عاد إلى الأندلس، أصبح أحد الفقهاء المالكيين البارزين وبفضل علمه أصبح صاحب فتوى طليطلة (ابن فرضي، 137/1).