خلاصة:
يعد مبحث الوقايۀ من الجرائم والانحرافات والاختلالات الاجتماعيۀ من جملۀ المباحث الهامـۀ المطروحۀ في العلوم الجنائيۀ، والتي نالت في العقود الأخيرة اهتماما خاصا من قبل الباحثين في العلوم الاجتماعيۀ وخبراء الجرائم . وتظهر دراسۀ المصادر الفقهيۀ أن هذه المسـألۀ المهمـۀ هـي مـن جملـۀ المواضيع التي نالت اهتماما کبيرا من الفقهاء، الذين وإن لـم يفـردوا لهـذه المسـألۀ عنوانـا مسـتقلا، ولکنهم تناولوها بشکل واسع في طيات المباحث الفقهيۀ المختلفۀ. فکثيرا ما لجأ الفقهاء في مبـاحثهم واستدلالاتهم إلي الاستعانۀ بمصطلح "دفع المنکر" لإثبات حکم ما يحظي بأهميـۀ وقائيـۀ، بحيـث يمکن الاصطياد من ذلک أن "دفع المنکر" يشکل قاعدة فقهيۀ. سعينا في هذه المقالۀ إلي أن نتناول بالبحث والدراسۀ ماهيۀ هذه القاعدة ومستنداتها الفقهيۀ، حيث تکشف النتـائج عـن أن هـذه القاعـدة تحظي بمبان عقليۀ ونقليۀ هامۀ ومعتبرة، وعلي الرغم من عدم إمکانيۀ اعتبارهـا مـن جملـۀ القواعـد المنصوصۀ، ولکن يمکن الحديث عنها من منطلق کونها قاعدة اصطياديۀ. هـذا، وانطلاقـا مـن هـذه القاعدة يمکن لأفراد المجتمع ، وبخاصۀ في الدولۀ الإسلاميۀ، أن يواجهوا کثيرا من مقدمات المعاصي وأرضيات الجرائم ، وأن يجوزوا لأنفسهم المبادرة للحيلولۀ دونها.
ملخص الجهاز:
إن روح الأحكام الفقهية مبنية على الوقاية من الجريمة والتلوث بالمعصية؛ لذلك، بالإضافة إلى التدابير العامة والشاملة التي يمكن استنباطها واستخلاصها من الفقه الإسلامي، يمكن العثور على أبواب خاصة لها علاقة مباشرة بالوقاية من الجريمة؛ ومن بين هذه الأبواب باب النهي عن المنكر.
على سبيل المثال، تحدث السيد علي فقيهي في مقال بعنوان (حرمة التعامل مع العلم باستعمال محرم) ضمنيًا عن هذه القاعدة، كما تحدث السادة الأكرامي وحاجي ده آبادي في مقال بعنوان (تطبيق قاعدة دفع المنكر في نطاق الأسرة من خلال البحث في دلالة آية الوقاية) وكما هو واضح من العنوان، فقد تحدثوا عن بعض مستندات وتطبيقات هذه القاعدة في مجال إصلاح الأسرة.
تم ذكر اختلافات أخرى بين هذين العنوانين، مثل أن النهي عن المنكر ينظر إلى الشخص الثاني، أي النهي عن الآخرين من الاستمرار في المنكر، بينما »عدة }§ المنكر، يشمل الدفع للمنكر الشخص نفسه، أو في وجوب الدفع للمنكر يتم تجاهل العديد من شروط التكليف؛ لذلك صرح بعض الفقهاء أنه إذا لم يكن العامل والمرتكب يعصيان بالفعل، ولكن عملهما يعتبر من مصاديق المنكر، والشريعة ليست راضية عن هذا الفعل، فإن اتخاذ إجراء وقائي من باب الدفع للمنكر جائز.
وبالنظر إلى الأدلة الموجودة لقاعدة دفع المنكر والتي سيتم مناقشتها لاحقًا، يمكن الادعاء بأن المشهور بين الفقهاء أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينظر إلى النهي عن فعل من ارتكب منكرًا ومنع استمراره وتكراره، مثل النهي عن استمرار تصرفات المتصرف العدواني في ملك الغير (إيرواني، ١٤٠٦: ١٦؛ الحسيني الروحاني، ١٤١٢: ١٤، ١٨) أو مع بعض التوسع، يشمل النهي عن ارتكاب المنكر من قبل أولئك الذين أعدوا مقدمات العمل بإرادة فعلية أو هم على وشك القيام به.