خلاصة:
إن «العَدَميّة» هي فكرٌ جذورها تكمن في عوامل متعدّدة مثل الفقر الآيديولوجي، الماديّة، فقدان الهدف، التفكير في الموت، الإخفاقات، وما إلى ذلك، والتي أدّت في فترات مختلفة إلى أزمات عميقة في حياة الإنسان. يعتقد البعض أن «العَدَميّة» و«النيهيليّة» مفهومين متقاربين وحتى متطابقين؛ ولكن الحقيقة هي أن هناك اختلافات بينهما من حيث المعنى؛ في نظر الشخص العدمي، القيم والأهداف تسقط؛ أما في النيهيليّة، فلا وجود للقيم أو الأهداف على الإطلاق. من بين الكتاب المعاصرين، هناك أشخاص مثل صادق هدايت الكاتب الإيراني المثقف وصموئيل بيكيت الكاتب والمسرحي الأيرلندي الذي يسمّونه بحق «العراب العَدَميّة»، هم رسل فلسفة العَدَميّة. هدف الكتاب في هذه المقالة هو دراسة مقارنة بين «العَدَميّة» في الأعمال الشهيرة لهذين الكاتبين الكبيرين مع التركيز على اثنين من أشهر أعمالهما وهما «مالون يموت» و«البومة العمياء». نوع هذا البحث هو وصفي-تحليلي وطريقة جمع المعلومات تعتمد على المصادر المكتبية وتسجيل الملاحظات من كتب الكاتبين ومراجعة محتويات أعمالهما. إنَّ التحليلَ للمعلوماتِ المجموعة يُظهِرُ أن هذين الكاتبين، إلى جانب العديد من التشابهات الفكرية، لديهما اختلافات كذلك؛ كلاهما تأثر بالمدرسة السريالية، وانتقلا من التمثيل للواقع الخارجي إلى الداخلي وأظهرا العالم باستخدام أفكارهما وتخيلاتهما على أنه عدمي ومليء باليأس، مع هذا الفرق أن أفكار بيكيت في هذه القصة أقرب إلى «العَدَميّة الفلسفية» وأفكار هدايت إلى الآراء والنظريات «النيهيليّة».
ملخص الجهاز:
ربما يمكن اعتبار هدایت أحد المؤسسين الرئيسيين للقصة الإيرانية المعاصرة؛ لأنه في ذلك الوقت، كان سرد القصص الفارسي لا يزال طفلاً رضيعًا؛ أي لم تتشكل بشكل جيد، وكان لا يزال هناك الكثير من الوقت قبل ولادتها؛ ولكن بالنسبة لبكيت وأدب قصصه في عصره، كان الوضع مختلفًا تمامًا، وقد وصل إلى مرحلة النضج لدرجة أنه أقسم مرارًا وتكرارًا على إخراج نفسه من ظل الآخرين.
هذا العمل الرمزي عميق جدًا بحيث يصعب فهمه وتفسيره؛ كتاب مليء بالرموز التي يمكن فحصها بتحليلات مختلفة؛ ومع ذلك، يجب أن نذكر أن فحصها كعمل سريالي تقريبًا لا يعني الغرابة وعدم التوافق مع التيارات والمدارس الأخرى، بل توجد في هذه القصة بعض العناصر من المدرسة الطبيعية (عدم احترام الحدود والمحرمات واستخدام الكلمات البذيئة) وعدد من مكونات العبثية الوجودية (الاستهزاء بالكلمات، حرية الإنسان).
في »مالون يموت« يسعى الرجل العجوز من خلال الكتابة إلى تقليل هروب الذكريات وفي »بوف كور« أيضًا يحاول الراوي من خلال الرسم على الجرة تهدئة روحه المضطربة.
أدناه، نقدم بعض الأمثلة على هذه الاختلافات للتحليل والمراجعة: ١-٥- صحيح أن »مالون يموت« يعتبر ملاحظات مجنون جزئي، ولكن في القصة بأكملها لا يواجه القارئ أبدًا جملة تشير إلى جنون الراوي، مثل تشويه الأعضاء الذي لا يظهر في هذه الرواية، ولكن في »بوف کور« فإن الجمل والأفعال التي يقوم بها الكاتب غالبًا ما تشير إلى جنون الراوي ويعترف بنفسه بالتشويه: »هذه المرة لم أتردد، أحضرت السكين ذو المقبض العظمي الذي كان لدي في خزانة غرفتي ثم قطعت رأسه، وتدفقت قطرات الدم المتجلط الباردة من حلقه.
في الواقع، من خلال إلقاء نظرة على نص قصة »بوف کور«، يمكننا أن ندرك أن وجهة نظر هدایت في هذا العمل حول بعض القضايا هي أقرب إلى علم النفس منها إلى الفلسفة، لأن الراوي يروي نوعًا من الانهيار النفسي ويعتبر الرسم بمثابة عمل لتخفيف روحه.