خلاصة:
تهدف هذه المقالة إلى تقييم شروحات العلامة الطباطبائي في مجال الحياة الاجتماعية للإنسان من حيث التوافق أو التعارض. كتابات العلامة في هذا الموضوع تنقسم إلى فئتين: فئة كتبت بأسلوب فلسفي بحت، وفئة أخرى تتميز بطبيعة لاهوتية ـ فلسفية. استخدمت هذه المقالة المنهج الوثائقي والمكتبي وركزت على مجموعة الأعمال المكتوبة للعلامة في هذا المجال. وكانت طريقة إجراء هذا البحث تعتمد على جمع البيانات اللازمة ومن ثم تحليلها بعمق باستخدام الأسلوب الوصفي ـ الاستنباطي. ومن نتائج البحث الحالي أن العلامة كثيرا ما يفسر ويحول مبدأ كون الإنسان مدنيا بالطبع إلى مبدأ كون الإنسان مستخدما بالطبع، وهذا أمر متعارض وغير متوافق. إذ أنه إذا كان المبدأ الأولي في الإنسان هو كونه مدنيا بالطبع، فإن المجتمع بالنسبة له يكون أمرا طبيعيا ويعتبر كائناً تعاونياً يتعاون مع بني جنسه من أجل بقاء النوع. وإذا كان المبدأ الأولي في البشر هو مبدأ الاستخدام، فإنه بالطبع (أي بطبيعته الأولية) يعتبر كائناً استخدمياً ويتنافس مع الآخرين من أجل الاستخدام الأكثر. ولا يُعتبر كائناً اجتماعياً بطبيعته بل إنه يضطر للعيش الاجتماعي كي يستفيد أكثر من ثمرات الآخرين.
ملخص الجهاز:
مسألة البحث الحالية هي تحديد العامل الذي يرى فيه العلامة الراحل تشكيل واستمرار المجتمع الإنساني؟ هل روح الإيثار والجمعية؟ أم الاستخدام والاستفادة من مصالح الآخرين؟ أم تلبية الاحتياجات الجسدية الأساسية بشكل أفضل؟ أم عامل آخر؟ وهل مجمل شروحاته وتفسيراته في هذا المجال متسقة ومتوافقة أم غير متسقة ومتناقضة؟ إن معرفة هذه المسألة، وهي ما إذا كان الإنسان كائنًا اجتماعيًا أم غير اجتماعي، وإذا كان اجتماعيًا، فإن عامل اجتماعيته أمر ذاتي وداخلي أم عرضي وخارجي، ليست مهمة وقيمة من الناحية النظرية فحسب، بل هي أيضًا جديرة بالاهتمام والرعاية من الناحية التربوية والأخلاقية والقانونية.
وفي هذين الكتابين، وكذلك في رسالة تدبير المنزل (تدابير المنازل / السياسات الأهلية)، على عكس الفارابي الذي اعتبر الحياة الاجتماعية سببًا لتأمين الاحتياجات الحياتية الجسدية وكذلك بلوغ أفضل الكمالات، ركز فقط على عامل الاحتياجات الجسدية والحاجة إلى بني جنسه من أجل تلبية هذه الاحتياجات، وأغفل عن العامل المهم المتمثل في السعي نحو الكمال والرغبة في الكمال والاحتياجات الروحية الأصيلة للإنسان التي لا يمكن تحقيقها إلا في الجمع والجماعة وفي إطار المجتمع: «من الأمور الواضحة أن الإنسان يختلف عن الحيوانات الأخرى بأنه إذا أراد أن يتولى تدبير شؤونه بنفسه كفرد وحيد ومنعزل دون شريك يساعده في تلبية ضرورياته، فلن يستقر معاشه ولا بد له من أن يلبي احتياجاته مع فرد آخر من بني جنسه، ويلبي ذلك الآخر احتياجاته بالمساعدة منه ومن أمثاله...
لقد كتب في ذيل هذه الآية ما يلي: (الآية الشريفة أعلاه) توضح تقسيم المعيشة بين الناس مع سبب هذا التقسيم للرزق في المجتمع الإنساني، والشرح هو كما يلي: إن كثرة احتياجات الإنسان في حياته الدنيا هي إلى حد أنه غير قادر على توفيرها كلها بشكل فردي ويحتاج إلى التواصل مع الآخرين، من خلال التوظيف والدوران (الاستفادة من كل منهم) في المرحلة الأولى ومن التعاون والمساعدة المتبادلة (مع بعضهم البعض) في المرحلة الثانية...