خلاصة:
المعرفة البرهانية أو الطريق الذي يسلكه الفيلسوف لمعرفة الأشياء، والمعرفة الوحيانية أو الطريق الذي يصل إليه المؤمنون بالأديان من خلال التمسك بظواهر النصوص الدينية، والوصول إلى الحقائق عن طريق السير والسلوك الباطني كما يدركه العارفون والسالكون، هي طرق معروفة لمعرفة الأشياء. إلا أن الجمع بين هذه الطرق والالتزام بالنصوص الدينية والبراهين العقلية والسير والسلوك المعنوي والاعتقاد بوحدتها هو أمر قلما حدث بين العلماء الدينيين، خاصة إذا كان ذلك العالم فقيهاً كبيراً ذا توجه إخباري في الفقه. وقد تجلى هذا الأمر بكل خصائصه بوضوح لدى فيض كاشاني؛ فهو أحد العلماء الشيعة القلائل الذين استطاعوا إيجاد جمع وتوافق بين هذه المناهج الثلاثة. ويوضح هذا البحث كيف وفق فيض إلى هذا الجمع والتلفيق.
ملخص الجهاز:
هل الجمع بين هذه المدارس الثلاث هو من نوع الجمع بين عدة جزر وبصورة "مجمع الجزائر"؟ أم أنه استفاد من كل منهج من هذه المناهج الفكرية الثلاثة في سبيل تفسير وتبيين الآخر وعمل بطريقة بينية؟ أم أنه يعتقد بالوحدة بين العقل والوحي والكشف؟ هل الوحدة التي يعتقد بها فيض هي من نوع الوحدة بين البرهان والقرآن والعرفان التي أكد عليها أستاذه صدر المتألهين؟ أم أنه تجاوز هذه المرحلة وكان اعتقاده أن ما قُدم من معارف عقلية وكشفية قد ورد بشكل أكمل وأعمق في الكتاب والسنة، بل إن الفلاسفة والعارفين قد استمدوا من ذلك المنبع النوراني؟ هذه تساؤلات سيتم تناولها في هذا المقال، وسنجيب عنها بالاستناد إلى أقوال وتأليفات فيض، وبما أن فيض الكاشاني هو وريث هذه المدارس الفكرية الثلاث، فإن الدراسات يجب أن تكون بطريقة شاملة وناظرة إلى المناهج الثلاثة جميعها.
بناءً على المبدأ الثاني، وبأن التفاوت بينهما يعود إلى الاختلاف بين حوزات المعارف العقلانية والمعارف الشهودية، فكيف يمكن الاعتقاد بالوحدة بين البرهان والعرفان والقرآن، والإصرار على الوحدة بين العقل والكشف والوحي، كما أكد ذلك ملا صدرا وفيض كاشاني؟ علاوة على ذلك، سيطرح سؤال آخر وهو: في الفرض الثاني، هل ما يتم تلقيه عبر طور وراء العقل قابل للتفسير والتحليل بالعقل والقوى العقلانية أم لا؟ في البداية، يجب معرفة وبحث مكانة العقل وحدود فاعليته عند العارفين، وكذلك مكانة ومنزلة الكشف والشهود وواقعيتهما عند الفلاسفة، ولا سيما عند صدر المتألهين وفيض كاشاني، ثم يتم الانتقال إلى تبيين طور وراء العقل وما إذا كانت حوزته تتعلق بمكان لا يصل إليه العقل؟ وفي الختام يتم تحليل وجهة نظر فيض وصدرا.