خلاصة:
تعد «الفراسة» من المفاهيم التي تقع في شبكات مفاهيمية مختلفة في آن واحد، وذلك بسبب انتمائها إلى مجالات وطبقات وخطابات وأيديولوجيات متنوعة. ومن خلال التأمل في مجالات تطبيقها ونظام مصطلحاتها، يمكن الوصول على الأقل إلى خطابين مختلفين، وهما الخطاب العرفي-التجريبي والخطاب العرفاني. في هذا المقال، وبعد ذكر المعنى القاموسي للفراسة، نقوم بتوضيح المجال الدلالي لكل من هذين الخطابين من خلال ارتباطاتهما المفاهيمية. نبدأ أولاً بدراسة آثار هذين المجالين، ثم نستخدم بشكل خاص آراء مولوي في المثنوي بناءً على «حديث الفراسة». يعد هذا الحديث من الأحاديث الرئيسية في الإبستمولوجيا العرفانية/المثنوي، وهو يوضح الطبيعة «الإشعاعية-الانعكاسية» للفراسة والبصيرة والمعرفة القائمة على التجارب الوجودية-الشهودية للعارفين وارتباطها بموضوعات مثل «الوعي المسبق»، «رؤية الغيب» و«قراءة الأفكار»، مع التأكيد على فصل هذا الخطاب عن الآخر.
ملخص الجهاز:
حيث يرى ابن فارس أنها بمعنى الدقة (من دق العنق) (ابن فارس، ١٤٠٤: الجزء الرابع، ذيل فرس)، بينما يشير ابن منظور إلى هذا المعنى (فريسة / صيد)، إلا أنه يرى أن الأصل في معنى الفراسة بشكل تخصيصي يكمن في باب الخيل (علم بركوب الخيل وركضها)، وهذا العلم والمهارة استُخدما توسعاً بمعنى البصيرة، وبشكل تدريجي وصلا إلى معنى إصابة النظر (التفرس) والتوسم (الاستدلال من العلامات والإشارات على الأمور الخفية) (ابن منظور، ١٤٠٨: ذيل فرس).
و"الفراسة" (١) هي أحد هذه المفاهيم التي يمكن من خلال التأمل في شبكاتها المفاهيمية ونظامها الاصطلاحي ومجالات تطبيقها الوصول إلى خطابين مختلفين على الأقل، وهما: الخطاب العرفي - التجريبي والخطاب العرفاني.
على الرغم من أنه لم تتم الإشارة إلى التمايز بين هذين الخطابين في أي من الكتب التفسيرية والتحليلية (على سبيل المثال انظر: منور ميهني، ١٣٦٦: مقدمة الدكتور شفيعي كدكني؛ شفيعي كدكني، ١٣٧٢ وزرين كوب، ١٣٦٢: ٢٥٠ وما بعدها)، إلا أنه قد تم الحديث عن هذا التمايز تلميحاً وتصريحاً في النصوص العرفانية (انظر: ميبدي، ١٣٦١: ٣٣٤/٥).
الخلاصة سُعي في هذا البحث، بالاعتماد على مكونات البصيرة العرفانية -باعتبارها معرفة سيالة وديناميكية ومبنية على التجربة (التجارب الوجودية والشهودية)- والاستعارة الأساسية للنور، إلى تقديم تبيين للفراسة لكي يتضح مكانها في النظام المعرفي للعارفين، وكذلك يتضح الفرق بينها وبين خطاب الفراسة العرفي والتجريبي ضمن تصنيف خطابي.
فالفراسة باعتبارها تجربة عرفانية، تتجاوز العرف والآليات المعهودة والمعتادة، وتختص بالمؤمن المميز والكيّس والفطن الحقيقي ثمرة مهارات منطقية وعقلانية، ولا حتى حاصل ظن صائب مبني على تراكم التجارب النفسية والاجتماعية: وصف حق دان آن فراست را نه وهم نور دل از لوح کل کردست فهــم (مولوي ، ١٣٨٢: ٢٧٥٢/٦) ويؤكد الرومي في أبيات أخرى أن الفراسة ليست نتاج «التنجيم»، أو «الرمل»، أو «قراءة الطالع»، ولا حتى «الأحلام» والإدراكات الرؤيوية، ومن هنا، لا يمكن تحصيلها عن طريق «التقليد» (همان : ١٨٥١/٤، ١٤٧٩/٢ و ٢٠٢٣/٢).