خلاصة:
يسعى رورتي، بصفته فيلسوفاً تحليلياً، وفي سياق فكر ما بعد الحداثة ومن خلال نظرة براغماتية تجاه المفردات واللغة، إلى تفكيك قضايا فلسفية مختلفة. ولتحقيق هذه الغاية، فإنه يضع نظرية المعرفة التقليدية بكل مقولاتها (مثل الحقيقة، والموضوعية، والعقل، وغيرها) موضع تساؤل. وتتمثل وجهة نظره في أن الفلاسفة التقليديين (مثل أفلاطون، وديكارت، وكانط) كانوا ينظرون دائماً إلى البشر بصفتهم خدماً ومكتشفين للحقائق الميتافيزيقية والتاريخية (مثل الحقيقة، والخير، والإله، وغيرها). وفي مقابل هذه الرؤية التقليدية، يطرح رورتي مفهوم التضامن؛ أي الاتفاق على مسائل متنوعة نتيجة نظرتنا البراغماتية إليها، والمتأثرة أيضاً بمعايير مجتمع معين. وهو يعتقد أنه إذا حصرنا أنفسنا فقط في العلاقات السببية بيننا وبين العالم، فسنقبل حينها بصحة هذا الادعاء بأننا نحن من نمنح العالم المعنى من خلال خلق مفردات جديدة، وأنه لا توجد حقيقة خارج هذه المفردات التي تعد أدوات للتكيف مع البيئة المعيشية. وبدلاً من المفهوم التقليدي للحقيقة، الذي تشكل بناءً على نظرية مطابقة الصدق والنظرة الواقعية، يقترح رورتي مفهوم التضامن، ويدعي أنه لا يوجد أي عنصر واقعي في تفسيره لمفهوم التضامن، وأن التضامن، كغيره من المفاهيم، هو من صنع البشر وتشكل وفقاً للمصالح البراغماتية. ونحن نسعى في هذا المقال إلى إثبات أنه على الرغم من رفض رورتي للحقيقة والموضوعية بالمعنى التقليدي، إلا أنه لا يستطيع إنكار الموضوعية بأي حال أو نموذج، وبالتالي فإنه يظل، بشكل أو بآخر، عالقاً في فخ الفكر الموضوعي والواقعية.
ملخص الجهاز:
يقترح رورتي مفهوم الترابط بدلاً من المفهوم التقليدي للحقيقة، الذي تشكل بناءً على نظرية مطابقة الصدق والفكر الواقعي، ويدعي أنه لا يمكن العثور على أي عناصر واقعية في تفسير مفهومه للترابط، وأن الترابط، مثل غيره من المفاهيم، هو من صنع البشر وتشكل وفقاً للمصالح البراغماتية.
وبناءً على ذلك، فهم ليسوا بحاجة إلى تفسير للعلاقة بين المعتقدات والأشياء المسماة بـ "المطابقة"، ولا هم بحاجة إلى تفسير للقدرات الإدراكية للإنسان، التي تضمن قدرة الجنس البشري على الدخول في مثل هذه العلاقة» (كهون، ١٣٨١، ص ٥٩٢) وهو يعتبر الرؤية البراغماتية فكرة سلبية؛ لأنه يقول: «نحن نعتقد فقط أنه يجب وضع حد للتمييز التقليدي بين المعرفة والمعتقد، التمييز بين الحقيقة بوصفها مطابقة والحقيقة بوصفها مصطلحاً لتبرير المعتقدات المبررة» (Hilley & Guignon, p.
بمعنى آخر، إذا كانت الحقيقة كما يقول رورتي، هي صفة للجمل وليس للعالم، فإن هذا الأمر يستلزم أن تكون الجمل دالة على "شيء ما"، وبالتأكيد لا يمكن لهذا الشيء أن يكون جملًا أخرى؛ لأنه في هذه الحالة سيحدث تسلسل لانهائي وهو أمر مستحيل، وعندها لن يمكن الخروج من حلقة اللغة السحرية.
ج) هدف البحث في رؤية البراغماتية الجديدة وفقاً لعقيدة رورتي، فإن التعريف التقليدي للحقيقة يعزل الإنسان عن مجتمعه وعن مشكلات مجتمعه ؛ لأن الحقيقة (بالمعنى التقليدي) أمر غير بشري ومستقل عن المجتمع الإنساني ؛ في حين أن هذا التعبير الجديد عن الحقيقة (التعريف البراغماتي) يستلزم هدفاً مشتركاً بين الأفراد.
عندما يُنظر إلى هدف البحث بهذه الطريقة، فإنه سيكتسب صبغة اجتماعية وسياسية، وهي أمر إنساني، وليس وجهاً غير إنساني كان المنظور التقليدي يسعى للوصول إليه (اصغري، ١٣٨٨، ص ٥٦) بناءً على ذلك، في هذا الفضاء الفكري الجديد، سنكون فقط في سعي لتشكيل المعتقدات التي تساعد على التضامن الاجتماعي وتقليل المعاناة بين البشر.