خلاصة:
تعد قاعدة تكليف الكفار بالفروع من القواعد الفقهية المهمة التي لها جذور في المباحث الكلامية، وقد كانت محل تدقيق الفقهاء الإمامية منذ القدم. يذهب رأي مشهور الإمامية وأهل السنة إلى تكليف الكافرين بالفروع تماماً مثل الأصول. في البحث الحالي، توصل الكتاب من خلال فحص أدلة الرأيين الشائعين إلى أنه إما أن أدلة القائلين بعدم تكليف الكفار بالفروع تتمتع بتقوية أكبر، أو أنه يمكن الجمع بين هذين الرأيين واعتبار نزاعهما نزاعاً صورياً في الأساس؛ حيث إن تكليف الكافرين بالفروع ليس في عرض تكليفهم بالأصول، بل هو في طول التكليف بالأصول، وسيكون عقابهم بسبب عدم إيمانهم.
ملخص الجهاز:
أما المعارضون لهذه التوجيهات فلم يقبلوها، وهم يعتقدون أنه إذا وجدت هذه الأدلة العامة، فلدينا في المقابل أدلة خاصة لا يمكن سريان العموم عليها (الخوئي، ١٤١٨، ج ٢٣، ص ١١٩)؛ أو أنهم خصصوا العمومات والمطلقات بالمسلمين وفق قاعدة حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص (البحراني، ١٤٠٥، ج ٣، ص ٤٣)، ومن الآية المستشهد بها أجابوا بأن احتمال أن يكون المراد بالإيمان في هذه الآية هو الإيمان الخاص أو الإيمان المقترن بالعمل، ومجرد الاحتمال بأن الخطاب وجه إليهم بسبب شرف المؤمنين لا يؤدي إلى حمل كل هذه الآيات على العموم، وخلاصة القول أنه بعد أن تدل القضية بدلالتها الوضعية على الخصوص، لا يمكن حملها على العموم (الخميني، مصطفى، ١٤١٨، ج ٥، ص ٣٢٣) وكذلك هناك قرينة عقلية شاهدة على قبح تكليف الكافرين بالفروع قبل أن يلتزموا ويعتقدوا بالأصول؛ وذلك لأنه لا إمكان لانبعاثهم وانزجارهم، والأحكام الفرعية لا تكون فعلية ومنجزة ما داموا غير معتقدين بالأصول (سيفي، ١٤٢٥، ج ٣، ص ٦١-٦٢)، ونتيجة لذلك لا يمكن قبول إطلاقات وعمومات الأدلة؛ بلى، لقد ذُكر في الإسلام الصلاة والصوم والحج وأمثالها، ولكن لم يأتِ النص لبيان من هم الأشخاص المقصودون؛ وعندما لا يهدف النص إلى ذلك، فإن ظهور تلك الأحكام يكون للمسلمين، وسريانها على الكافرين يحتاج إلى دليل قطعي.
وإذا قُبل سند الرواية واعتُبرت سيرة قطعية (تبريزي، جواد، ١٤٢٣، ج ١، ص ١٣١)، فإن إشكالاً دلالياً يثار، وهو أن «الجب» بمعناه اللغوي يعني القطع، وهي تشبه العفو العام للنبي (ص) في فتح مكة عندما قال لأهل مكة من ذوي السوابق السيئة: «انتم الطلقاء»، وبذلك يصبح المعنى أنك كنت كافراً حتى الآن ولم يكن عليك تكليف، والآن وقد أسلمت فابدأ بأداء التكاليف؛ أو قد يكون المقصود بالجب هو دفع الآثار والأحكام المترتبة على كفرهم، بحيث كانوا مكلفين بالأصول أولاً ثم كُلِّفوا بالفروع؛ ومن هذا المنطلق، فإن إمكانية مؤاخذة الكفار على ترك الفروع أثناء كفرهم قائمة، وليس بمعنى أنهم يُؤاخذون بشكل مستقل بسبب التكليف بالفروع.