خلاصة:
لقد كان مصطلح «رأس المال الاجتماعي» موضوعاً للعديد من الدراسات في العلوم الاجتماعية - وخاصة في علم الاجتماع - خلال العقود الثلاثة الماضية. استطاع هذا المصطلح في أقل من عقدين من الزمان أن يستحوذ على أدبيات واسعة جداً ويتحول إلى مفهوم «أسطوري» نوعاً ما - لدرجة أن بعض الكتاب اعتبروه أكثر من مجرد كلمة مفتاحية علمية وموازٍ لنظرية ما. وهذا في حين أن محتوى نقاش هؤلاء الكتاب ليس جديداً على الإطلاق، بل هو في الواقع صدى لـ «الحنين إلى الماضي» (النوستالجيا) لدى كتاب الأيديولوجيين في القرن التاسع عشر والقادة القوميين في القرن العشرين. علاوة على ذلك، فقد استُخدمت كلمة «رأس مال» في هذا المصطلح بمعناها الخاطئ، حيث اعتبرها الكتاب «شيئاً» كامناً ومخفياً داخل العلاقة الاجتماعية، وبالتالي بعيد المنال عن الفاعل. بينما رأس المال الاجتماعي للفاعل في المجتمع التقليدي يتمثل في تلك السلوكيات الراسخة أو المعيارية التي يتبناها الفاعل لتثبيت علاقته مع الآخرين؛ وفي المجتمع الحديث (المعاصر)، يشمل جميع تلك القدرات والإمكانات التي يحتاجها الفاعل ويجب عليه اكتسابها لإقامة علاقات مع الآخرين.
ملخص الجهاز:
ومن هذا المنطلق، فإن مفهوم «رأس المال الاجتماعي» -على الرغم من كل الجاذبية التي أظهرها حتى الآن- لا يزال مفهوماً غامضاً وغير واضح وغير محدد، وإن الاستقبال غير المسبوق من مختلف مجالات العلوم الاجتماعية -وخاصة علم الاجتماع- له، هو في الواقع تكرار لنفس الخطأ التاريخي الكبير الذي كان، على الأقل، خلال القرنين الماضيين (القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين)، عبئاً وعائقاً أمام هذه المجالات العلمية.
مصطلح «رأس المال الاجتماعي» وتطبيقاته إن النقاشات التي قُدمت حتى الآن حول مفهوم رأس المال الاجتماعي، بالنظر إلى وجهة نظر أو نهج مقدمي هذه النقاشات، تنقسم إلى فئتين: أولاً، أولئك الذين بحثوا في كليات المجموعات البشرية الصغيرة أو الكبيرة، مثل: المدرسة، والمدينة، والمجتمع، وفي هذا البحث ركزوا على «التقارب اجتماعي» (Social Convergence) و«التضامن الاجتماعي» (Social Solidarity) قد وضعوهما في مركز اهتمامهم (Hanifan, Jacob, Putnam, Fukuyama)، والثانية، هم أولئك الذين من خلال البحث في العلاقة بين الفرد ومجتمعه، طرحوا مرة أخرى مفهوم «البنية الاجتماعية» (Social Structure) وتأثيرها على الفرد وسلوكياته، وحاولوا الكشف عن أبعاد -جديدة نوعاً ما- للدور الذي لا يمكن إنكاره لهذه الظاهرة الاجتماعية في المجتمع (Loury; Bourdieu, Coleman).
علاوة على ذلك، يمكن لمستوى أو حجم رأس المال الاجتماعي في عملية العلاقة الاجتماعية أن يزداد أو ينقص: إن زيادة و«تراكم» هذا الرأس مال يؤدي إلى ظهور حسن النية (Good Will) والثقة (Trust) المتبادلة بين الفاعلين (Hanifan 1916; Coleman 1990)؛ ويعزز تقاربهم (الذهني) وتضامنهم الاجتماعي، ومن خلال إنشاء علاقة مستقرة ومتينة، يوفر أرضية لتعاونهم الواسع لتحقيق أهداف مشتركة (Jacob 1961; Fukuyama 2001).