خلاصة:
تعد مسألة اجتماع الأسباب في وقوع الضرر واحدة من أهم المسائل في مجال المسؤولية المدنية، حيث أن الكثير من الحوادث الضارة التي تقع تكون ناتجة عن عدة عوامل أو أسباب، وتحديد السبب المسؤول من بين هذه الأسباب يعد أمراً صعباً. وقد طرح السؤال دائماً بين الفقهاء: في حالة اجتماع الأسباب في إحداث الضرر، أي سبب هو الضامن؟ وما هو أساس تحديد المسؤول من بين الأسباب؟ الهدف الرئيسي لهذا البحث هو إيجاد أساس شامل وكامل لتحديد المسؤول من بين الأسباب المشاركة في الضرر. في هذا البحث، تم أولاً نقد ومراجعة آراء الفقهاء والقانونيين في هذا المجال، ثم تم تقديم نظرية شاملة وكاملة يمكن تطبيقها في جميع الحالات والمصاديق. ومن خلال الدراسات التي أجريت، يتضح وجود آراء مختلفة في هذا الصدد، بما في ذلك نظرية السبب المقدم في التأثير، ونظرية السبب المؤخر في الحدوث، ونظرية المقدم في الإنشاء، ونظرية السبب الأقوى في التأثير، ونظرية تساوي الأسباب. كما يتضح أنه لا يمكن لأي من النظريات المطروحة وحدها أن تكون مبررة للضمان في جميع حالات اجتماع الأسباب، بل بالنظر إلى أن أساس المسؤولية في الإتلاف والتسبب هو الاستناد العرفي للتلف بفعل الشخص، فإنه في حالة اجتماع الأسباب يكون أساس المسؤولية هو الاستناد العرفي للتلف؛ فإذا كان الاستناد العرفي للتلف يعود إلى كلا السببين، فإن كليهما ضامن، وفي الحالة التي يعود فيها الاستناد العرفي للتلف إلى أحد السببين فقط، يكون ذلك السبب هو المسؤول وحده، وتُعرف هذه النظرية تحت عنوان «نظرية الاستناد العرفي للتلف».
ملخص الجهاز:
نظرية السبب المقدم في التأثير بناءً على نظرية السبب المقدم في التأثير، وهي النظرية المشهورة عند الفقهاء، أنه إذا أدت عدة أسباب إلى وقوع ضرر للغير ولم يكن تدخل وتأثير هذه الأسباب في وقوع الضرر متزامناً، فإن الضمان يقع على عاتق السبب الذي أثر أولاً وكان من هذا الجهة مقدماً على غيره؛ فعلى سبيل المثال، إذا حفر شخص بئراً في معبر عام ووضع آخر حجراً بجانبها، فانزلقت قدم عابر سبيل نتيجة الاصطدام بالحجر وسقط في البئر، فإن الشخص الذي وضع الحجر هو السبب الأصلي والضامن، ولا فرق في ذلك بين كون وضع الحجر قبل حفر البئر أو بعده، لأنه لو لم يكن الحجر موجوداً لما كان السبب اللاحق مؤثراً على الإطلاق.
» وفي تعليل هذه النظرية قيل إن العرف في مثل هذه الأمور ينسب التلف إلى العمل الذي أثر في الإتلاف أولاً (رشتي، الغصب، 40؛ وقايع حقوقي، 68)، كما يقيس البعض واضع الحجر بمن يلقي بالمتضرر في البئر، ويستنتجون أن الحكم هو المباشرة في وقوع الضرر (محمدي، قواعد فقه، 33؛ نجفي، جواهر الكلام، 43، 147؛ الشهيد الثاني، مسالك الأفهام، 15، 382؛ سرخسي، المبسوط، 185؛ ابن قدامه، المغني، 9، 565؛ ابن قدامه، الشرح الكبير، 9، 487؛ فاضل هندي، كشف اللثام، 2، 486؛ ابن براج، المهذب، 2، 506) ولكن هذه الأدلة ليست مقنعة، لأن أولاً هذا الادعاء بأن العرف ينسب التلف إلى من أثر أولاً لا يملك دليلاً، لا سيما في الحالة التي يقصد فيها كلاهما إتلاف المال؛ ثانياً، إن قياس السبب المتقدم في التأثير على المباشر في التلف ليس صحيحاً، لأن الفرض هو أن هذا السبب يوفر فقط الأرضية والمقتضى لوقوع الضرر وليس له علاقة مباشرة بالإضرار.