خلاصة:
التعاليم التعبدية في مجال العقائد هي المعتقدات التي لا يستطيع العقل البشري بمفرده اكتشافها وإثباتها. ومن هذا المنطلق، فإن المصدر الرئيسي الوحيد لهذه المعتقدات هو الوحي والنقل الديني المعتبر. تمتلك التعاليم التعبدية حضوراً بارزاً في المعتقدات الشيعية، وقد قدمت تفاصيل واسعة حول التوحيد، النبوة، الإمامة، والمعاد. إن فهم التعاليم التعبدية، الذي يشمل مرحلة الأخذ والاكتشاف ومرحلة التبيين والتفسير، كان محل اختلاف بين المتكلمين الشيعة؛ حيث اتخذ البعض منهج التعبد والتسليم تجاهها، بينما اقترح آخرون منهج التعقل والتدبر. وفي هذا السياق، يحاول الشيخ المفيد اتخاذ أسس تجمع بين النقلانية والعقل من خلال منهج وسط يتبنى «اكتساب المعرفة الدينية» و«حاجة العقل إلى النقل»؛ بحيث يكون تسليمه للنقل في مرحلة اكتشاف هذه التعاليم بعد التقييم والتمحيص العقلي، وفي مرحلة الفهم يستخدم كلا المصدرين (العقل والنقل) لتفسير التعاليم. وتخلص الدراسة الحالية إلى أنه بالنظر إلى كيفية استفادة الشيخ من المصادر، فإن منهجه يميل أكثر نحو منهج التعقل والتدبر والاستفادة القصوى من العقل.
ملخص الجهاز:
وفي هذا السياق، يحاول الشيخ المفيد من خلال اتخاذ مبادئ «احتياج العقل إلى النقل» و«اكتسابية المعرفة الدينية» اتخاذ منهج وسط بين النقلية والعقلانية؛ بحيث يكون تسليمه للنقل في مرحلة كشف هذه التعاليم بعد سنجش وتقييم العقل، كما يستخدم في مرحلة الفهم كلاً من مصدري العقل والنقل لتفسير التعاليم.
بعد اكتشاف رؤية الشيخ المفيد حول ماهية التعاليم التعبدية، يجب أن نرى كيف وبأي طريقة فهم النصوص الدالة على هذه التعاليم؟ وكما أشير سابقاً، فإن البحث عن الأسس هو المرحلة الأولى من تحديد هذا المنهج.
وبالنظر إلى طبيعة التعاليم التعبدية التي تخرج عن نطاق العقل، فإن اتخاذ الشيخ لهذين الضابطين يبدو أمراً معقولاً تماماً، لأنه في الظروف التي لا يوجد فيها مصدر غير النص ولا يملك العقل القدرة على الحكم بوجود أمر أو عدمه، يسعى الشيخ من خلال الالتزام بهذين المعيارين إلى إظهار أنه لا يمكن نسبة كل تعليم تعبدي إلى الدين لمجرد أنه ورد من ناحية السمع، وهذا يوضح النهج النقدي للشيخ مفيد تجاه النصوص المتعلقة بالتعاليم التعبدية، والذي ينبع من نظرته الاكتسابية والعقلانية للتعاليم الدينية.
طريقة الاستفادة من العقل يمكن توضيح طرق استفادة الشيخ من العقل في فهم التعاليم التي تخرج عن نطاق العقل، بناءً على المراحل التالية: يمكن توضيح ذلك: إثبات توافق النقل مع أحكام العقل: يبدو أن أحد الإجراءات الأساسية للشيخ في عملية الفهم هو هذا الدليل في فهم بعض النصوص التي تخرج عن نطاق العقل مثل «الأعراف»، حيث يبيّن الشيخ -رغم إقراره بأن الله أعلم بحقيقتها- ما يلي: إن القدر الذي يُفهم من هذه النصوص جائز عند العقل؛ ومن ثم لا يوجد مانع متصور لقبولها (مفيد، ١٤١٣ق (د): ١٠٧).