خلاصة:
يحكي التاريخ الاجتماعي والاقتصادي في العهد الساساني عن صراع مستمر بين النبلاء الإيرانيين والملوك، والذي استمر مع فترات توقف وجيزة حتى نهاية عمر الدولة الساسانية، لدرجة أنه يمكن اعتبار هذا النزاع بين النبلاء الإيرانيين والسلطنة أحد الأسباب المهمة لانحطاط وانقراض الحكم الساساني. يسعى هذا المقال باستخدام المنهج الوصفي التحليلي بشكل محدد إلى توضيح العملية التاريخية التي مرت بها العلاقة بين النبلاء والملوك في حكم الساسانيين، وفي إطار التفسير التاريخي لهذه المسألة، يطرح الفرضية التالية: إن توسع العلاقات التجارية بين الشرق والغرب، ونمو الاقتصاد النقدي والاقتصاد القائم على التجارة والصناعة، وتوسع المدن وطرق العبور (الترانزيت)، وما تبع ذلك من تغيير في العلاقات الاجتماعية وتحدي النظام الاجتماعي في العصر الساساني، أدى إلى وضع النظام الأرستقراطي القائم على الاقتصاد الزراعي والهيكل الريفي أمام تحديات جدية. أدت هذه التحديات أيضاً إلى تحديات دينية، لدرجة أن اتحاد النبلاء مع الموبذان (رجال الدين) في معارضة الملك، قد جرّ الموبذان إلى منافسات سياسية، ومن خلال قبول ترويج معتقدات المزدكيين ودعم تمرداتهم الاجتماعية من قبل قباد، وُجهت ضربة لوحدة النبلاء ورجال الدين الزرادشتيين، مما أجج العداء بين الملك والنبلاء. كما تمكن الملوك الساسانيون، منذ عهد خسرو الأول، من تحقيق استقلالهم الاقتصادي عن النبلاء من خلال الفلاحين في ظل التحدي بين اقتصاد المدن واقتصاد الريف، وتحقيق استقلالهم العسكري عن القوى الريفية والنبلاء من خلال الإسباهبذان، وبالتالي زيادة تركيز سلطتهم السياسية في مواجهة النبلاء.
ملخص الجهاز:
مقدمة البحث على الرغم من عدم كتابة بحث مستقل يتناول موضوع العلاقات بين الأشراف والملوك الساسانيين، وقلة الدراسات التي خصصت فصلاً لهذا الموضوع فيما يتعلق بالساسانيين، إلا أن بعض الكتاب، ومن بينهم كريستن سن في كتابه "إيران في زمن الساسانيين" وعمل آخر حول وضع الأمة والدولة والبلاط في العصر الإمبراطوري الساساني، عند دراسة تشكيلات الدولة الساسانية مع مراعاة السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يقسم الأشراف إلى أربع طبقات: شهرداران، واسپوهران، وزرگان، وآزادان، وهو تقسيم ذو أهمية في تبيين العلاقات بين الأشراف والملوك الساسانيين.
(دريايي، ١٣٨٧: ١١-١٢) وقد توسع تعيين خليفة الملك والحصول على منصب الصدر الأعظم من قبل الأشراف قوة الأشراف، منذ بداية الحكم الساساني من زمن أردشير الأول حتى وفاة شاپور الثاني، كانت محدودة، ولكن بعد وفاة شاپور الثاني وحتى زمن قباد الأول، عاد الأشراف ليشكلوا خطراً على سلطة العرش مرة أخرى، خاصة وأنهم وحدوا الموبذان معهم.
(ثعالبي، ١٩٦٣: ٥٥٢) وبالطبع أظهر حكم بهرام الخامس أن الأشراف كانوا خائفين بلا داعٍ من ابن يزدجرد الأول، لدرجة أن كل السلطة تركزت في يد الملاك والأشراف الكبار، وفي الواقع لم يكن ممثل الأشراف الذي كان يشغل منصب «وزرگ فرمذار» (الصدر الأعظم) في عهد يزدجرد الأول سوى مهرنرسي، وهو من الوزراء المشهورين في عهد بهرام الخامس ويزدجرد الثاني، وكان شخصاً متعصباً للديانة الزرادشتية بنى العديد من المعابد، وكان يمتلك أيضاً أراضٍ واسعة في ولايات فارس، واشتهر بلقب «هزار بندک» (طبري، ١٤٠٨ هـ.
عصر قباد، نقطة التحول في الصراع بين الملك والأشراف والموبذان اختار الأشراف بقيادة «زرمهر» (سوخرا) ابن فيروز، قباد الأول ملكاً في عام 488م، وكانوا يأملون أن يكون الملك الجديد مطيعاً لهم، ولكن كما تظهر أحداث السنوات الأولى من حكم قباد الأول، فقد كانوا مخطئين؛ إذ سعى قباد لإنقاذ نفسه من سيطرة سوخرا الذي كان من زعماء عائلة كارن.