ملخص الجهاز:
إن تحديد الموقع التاريخي-الجغرافي (الزمان-المكاني) للإنسان الشرقي من خلال الدراسات الجغرافية، والتاريخية، واللغوية، والآثارية، والإثنوغرافية، والأنثروبولوجية وما شابه ذلك، كان هو العملية التي تضع «الشرقي» كموضوع (ابژه) أمام الذهن (سوژه) الغربي، وهذه العلاقة بين «الذات والموضوع» (سوژه-ابژه) هي التي لا تكتفي بالسيطرة على الإنسان الغربي من الخارج عبر التقنيات والقوة المادية فحسب، بل تسيطر عليه من الداخل ومن أعمق طبقات ذهن ونفس الإنسان «الشرقي»، فتحطمه من الداخل وتصيبه بالاضطراب والأزمة.
في ظل هذا الاضطراب الذي يشهده العالم، يجد الإنسان الشرقي نفسه «موضوعاً» (ابژه) أو شيئاً تافهاً وعاجزاً وجاهلاً وضعيفاً، وذلك في مواجهة «ذات» (سوژه) عليمة بكل شيء وقادرة على كل شيء، تتغلغل في أعمق طبقات باطنه، وفي كامل تاريخه وتقاليده ومعارفه ومعاييره وسلوكه، وفي جميع نظمه السياسية والاقتصادية، وتتصرف فيه وفق ما تشاء بناءً على المعرفة التي تمتلكها عنه.
بناءً على ذلك، فإن الإجابة على مثل هذا التساؤل: لماذا يمتلك الغربي علم الاستشراق ونحن لا نملك علم الاستغراب، أو كما يقول آل أحمد، لماذا يستطيع الغربي أن يأخذني إلى المختبر ويضعني تحت مجهر علمه ويحدد هويتي بينما لا أستطيع أنا ذلك، هي أن العلم الحديث، بكل خصائصه، هو أساس الوجودية الغربية، وقد قام الغرب بتنمية وتطوير هذا الأساس، وقد فعل ذلك تحديداً من خلال تحطيم أطر العالم التقليدي ومعرفته التقليدية، تماماً كما أنه لم يكن يمتلك العلم الحديث ومن ضمنه الاستشراق ما لم يقم بهذا العمل.
في الواقع، فإن "علم الاستغراب" بهذا المعنى هو أيضاً جزء من العلم الحديث الغربي، وهو الذي ينظر من خلال علم الاجتماع والاقتصاد وعلم السياسة وفلسفته إلى نفسه كجتمع إنساني ويضع نفسه في "مركز" العلم، وأي معرفة من هذا النوع تجاه الغرب هي بالضرورة "غربية" ولا يمكن أبداً أن تكون "شرقية"، والمجتمعات الشرقية لا يمكنها الاقتراب من ذلك أو تعلم شيء منه إلا عن طريق "التغريب".