خلاصة:
أدى تأسيس واستقرار الدولة الصفوية في إيران، باعتبارها أول حكومة شيعية مستقلة وقوية في تاريخ الإسلام، إلى تحول البحث في تأييد هذه الدولة والتعاون معها أو عدم مرافقتها إلى أحد المباحث المهمة والجديدة في مجال الفكر والسياسة وحتى الآراء الفقهية لكبار علماء هذا العصر. ونظراً لأنه منذ بدايات ظهور هذه الدولة تقريباً - وخاصة منذ عصر الشاه طهماسب - وحتى أواخر حكم الشاه عباس الأول، كانت تولي الأمور الشرعية وأعلى المناصب الدينية والقضائية بيد المجتهدين المشهورين، فقد نشأ خلاف جديد بين المجتهدين حول هذا الموضوع، لدرجة أنه ظهر في آثارهم المكتوبة أيضاً وتجاوز مجرد الممارسة العملية. إن ظهور التيار الإخباري في التشيع واكتسابه القوة أدى إلى سيطرة المذهب الإخباري على المحافل والمراكز العلمية والدينية في إيران والعراق من منتصف العهد الصفوي حتى نهاية تلك الدولة ولعدة فترات بعدها، وانجذب الكثير من العلماء إلى ذلك المنهج. وإذا كان تصور بعض الباحثين بأن أحد الأسباب الأساسية لظهور التيار الإخباري في هذا العصر هو رد فعل مجموعة من العلماء على الاستخدام الأدواتي للمجتهدين لاجتهادهم في ترسيخ قواعد الحكومة الصفوية صحيحاً، فيجب توقع أن يكون الإخباريون معارضين للتعاون مع تلك الدولة؛ ومع ذلك، فإن فحص آراء وأداء أبرز الإخباريين، باستثناء حالة واحدة، يظهر أنهم رغم المعارضة الشديدة والجدية للمجتهدين، وخاصة المجتهدين الداعمين للدولة الصفوية، وبعد أن نجحوا في تهميش أتباع مدرسة الاجتهاد والأصوليين، فقد نهضوا بتأييد الدولة وتولوا المناصب والمراكز التي كانت بيد المجتهدين من قبل. في هذا المقال، يتم أولاً استعراض وجهات نظر علماء السلف باختصار حول "التعاون مع الدولة"، ثم بما أن المجتهدين الأصوليين مثلوا المؤسسة الدينية ورجال الدين في نصف العصر الصفوي، بينما مثل الإخباريون النصف الآخر، فسيتم فحص آراء وأداء أبرز الشخصيات في كلا المذهبين.
ملخص الجهاز:
وإذا كان هذا التصور لبعض الباحثين صحيحاً، والذي يرى أن أحد الأسباب الأساسية لظهور التيار الإخباري في هذا العصر هو رد فعل مجموعة من العلماء على الاستخدام الأدواتي للمجتهدين لاجتهادهم في تثبيت دعائم الحكومة الصفوية، فإنه يجب توقع أن يكون الإخباريون معارضين للتعاون مع تلك الدولة؛ في حين أن دراسة آراء وأداء أبرز الشخصيات الإخبارية، باستثناء حالة واحدة استثنائية، تظهر أنهم رغم معارضتهم الشديدة والجدية مع المجتهدين، ولا سيما المجتهدين حماة الدولة الصفوية، بعد أن نجحوا في تهميش أتباع مدرسة الاجتهاد والأصوليين، قاموا بأنفسهم بتأييد الدولة وتولوا المناصب والمراكز التي كانت قبل ذلك من اختصاص المجتهدين.
إن النظرية الفقهية التي كانت، على أقل تقدير في عهد الشاه طهماسب (سلطنة ٩٣٠-٩٨٤ ق)، تشكل أساساً جديّاً لمشاركة العلماء في الدولة الصفوية، لم تكن من نوع التعاون مع سلطان عادل أو جائر، بل كانت أسمى من ذلك، حيث قامت على أساس أن الحكم هو حق للفقيه، وأن الفقيه جامع الشروط أو بتعبير ذلك العصر «مجتهد الزمان» يمتلك في عصر الغيبة جميع اختيارات الإمام المعصوم.
» يذكر رسول جعفريان أنه بعيداً عن أعمالهم العلمية، كان لعلماء الشيعة في كامل العصر الصفوي مناصب إدارية كثيرة، ويتحدث عن جهودهم المبنية على استغلال تلك المناصب، ويقدم قائمة من كبار العلماء المتعاونين مع الدولة الصفوية، بالإضافة إلى شخصيات مشهورة مثل المحقق الكركي، وحسين بن عبد الصمد العاملي، والشيخ بهايي، ومير داماد، والمجلسي الأول والثاني.
ومن بين العلماء البارزين الآخرين في هذا العصر الذين لم يعترفوا بشرعية الدولة الصفوية، الشيخ حسن بن زين الدين عاملي (ت ١٠١١ ق) ابن الشهيد الثاني، الذي صرف النظر عن المجيء إلى إيران وزيارة حضرة الإمام الرضا (ع) -رغم شوقه الشديد لها- لكي لا يضطر لمقابلة الشاه عباس.