خلاصة:
تجلي الله ناشئ عن حبه، والخلق ليس سوى تجلٍ؛ إذ لو لم يتجسد التجلي لما وجد العالم. ومن ناحية أخرى، فإن التجلي هو مصدر حب العباد، والعارف يكتسب نوعاً خاصاً من المحبة بناءً على نوع التجلي الذي ناله، ويحتل مكانة في فئة معينة من محبي الحق. يمكن دراسة تداعيات هذه المسألة من الجانبين النظري والعملي. تتناول المقالة الحالية التداعيات النظرية، ولهذا الغرض تقوم أولاً ببيان أنواع تجليات الجمال والجلال باختصار، ثم تُعرف مجموعتين مشهورتين عند العرفاء، وهما 'السكرىون' و'الصحوُون' اللذان يتمتعان بتجليات جمالية وجلالية على التوالي، وبعد ذلك تبحث في آثار وتداعيات تمتعهم بأنواع التجلي في المجالات النظرية وفي موضوع محبة الله. وتحقيقاً لهذا الهدف، تطرح النظريات الصغرى للمحبة، والخلّة، والعشق، ووحدة الوجود التي نشأت في ظل النظرية الكبرى للحب الإلهي، وتبحث وتقارن آراء السكرىين والصحوُين فيها، وبذلك تبين كيف أدت التجليات المختلفة إلى اختلافات جوهرية في فهم وتفسيرات العارفين للقضايا الوجودية المهمة مثل الحب الإلهي
ملخص الجهاز:
ir أصحاب السكر، يجدون علاقة دافئة ومثيرة مع الله ويطرحون نظريات في الحب الإلهي تؤدي في النهاية إلى عشق الحق ووحدة الوجود، والمجموعة الأخرى هم أصحاب الصحو الذين يكونون خائفين وخاشعين أمام الله، ويعتبرون العشق مرتبطاً بالعوالم الإنسانية، ولا يتجاوزون في التعبير عن علاقتهم العاطفية مع الله استخدام الكلمة القرآنية «حب».
إن «السكر» أو السكر في اصطلاح العرفاء له معنى مجازي وليس حقيقياً، وهو عبارة عن حال يظهر نتيجة تجلي الله على العبد ومشاهدة جمال الحق تعالى، مما يؤدي إلى زوال قوة التشخيص والتمييز لديه؛ بحيث لا يعود يميز الخير من الشر، واللذة من الألم و والمنفعة من المضرة (مستملی بخاری، 1488)، تماماً كما فقدت نساء مصر وعيهن عند مشاهدة جمال يوسف، فلم تعد أيديهن تميز الثمار، فكنّ يقطعن أيديهن ولا يشعرن بألم القطع.
فقد اعتبر القائلون بالسكر أن الصحو هو الحجاب الأعظم للعبد عن حضرت الحق؛ لأنهم كانوا يعتقدون أنه في حالة الصحو تبقى الصفات البشرية مثل العلم والوعي وميول الإنسان، وكل هذه أسباب للتفرقة؛ أما السكر فيؤدي إلى زوال الصفات البشرية، والتدبير والاختيار، وحتى تصرف الإنسان في نفسه؛ ونتيجة لذلك يفنى العبد وكل ما يصدر عنه يكون فعل الحق تعالى، إذ لا باقٍ حقيقي إلا هو؛ لذا كانوا يقولون إن هناك فرقاً بين من فني عن صفاته ومن بقي على صفاته (هجويري، 231-235).
ويمكن تتبع تباين وجهات نظر العرفاء حول الحب الإلهي، والناجم في النهاية عن إعطائهم الأولوية لأحد التجليات الجمالية أو الجلالية، من خلال النظريات الفرعية للحب على النحو التالي: أ ـ نظرية المحبة إن التجلي الجمالي الذي كانت نتيجته للعارف شهود جمال وحسن الله، كما ذكرنا سابقاً، كان ملازماً للطرب والفرح والأنس والوصال.