خلاصة:
غاية الخلق من منظور العرفان النظري هو الوصول إلى كمال كل الكائنات في الوجود، وقد اعتبر الطريقة الأكثر جدارة لتحقيق هذا الكمال هي عبر الإنسان الكامل. في توضيح هذا الرأي، تتناول الدراسة الواردة بالوصف والتحليل تنقيح الأسس الأنثروبولوجية المتعلقة بمسألة "كمال الإنسان" في العرفان النظري، وتوصلت إلى أن منطلق هذا الجانب المعتمد على هذه الأسس الخاصة، بما في ذلك كون الإنسان ذي ساحتي وجود، و"القلب" كحقيقة إنسانية ومقام "الألوهية" للإنسان، هو منطلق قائم على محورية الله. الميزة الخاصة للإنسان في العرفان النظري هي تمتعه بقوة "الألوهية". الإنسان الإلهي هو الإنسان الكامل الذي يريد الله، العارف بالله والذي بلغ مقام القرب إلى الله. في أدبيات العرفان النظري، يُطلق على الاقتراب إلى الحق "الولاية" والمراد منها هو محو الأنانية وتعريف العبد بنفسه والوصول إلى مقام الفناء في الله، وهو معيار ومقياس كمال الإنسان. المنهج التربوي في العرفان النظري هو تربية الإنسان بالإنسان، بحيث ترتقي النفوس المستكفية بمعونة النفوس المكتفية عبر السير والسلوك القلبي في مسار القرب إلى الله، وبما تكتسبه من كمالات الأسماء الإلهية والبقاء بصفات الله في أفعالها وأقوالها، تُنشئ رابطة قوية بين الحياة الطيبة والحياة المعقولة، فتسلك الصراط المستقيم للعبودية، وتصبح إلهية. الوصول إلى "الألوهية" التي هي بحد ذاتها مفهوم تنويعي ومنشأ للآثار العينية، هي غاية خلق الإنسان وكمال وجوده.
ملخص الجهاز:
وبالطبع، فإن هذه المركزية لها جانب آلي ومرآتي فقط، فالإنسان -بما أنه المرآة التامة للحق (الله)- قد حاز مكانة حصرية في الوجود؛ بمعنى أنه في الهندسة المعرفية للعرفان الإسلامي، كل موجود في دائرة الوجود هو مظهر اسمي من أسماء الحق، ولكن من بين جميع تلك الموجودات، الإنسان وحده هو الأبرز والأتم والأكمل مظهراً له؛ وذلك لأن الحق تعالى في كل وجود من الوجودات الإمكانيّة يظهر بقدر قابلية ظهور ذلك الوجود، أما في الإنسان، فلا يظهر بقدر وقامة الإنسان، بل بقدر وقامته الإلهية.
فالجسم أو الساحة المادية للإنسان زمنية، وهو الذي يشكل المرتبة الأدنى لوجوده؛ لأنه يتلاشى ويفنى بوقوع الموت، في حين أن الروح أو الساحة المجردة للإنسان ليست في بعد زماني محدود، وهي التي تشكل المرتبة الأعلى لوجوده، فهي لا تتلاشى ولا تفنى بوقوع الموت، بل سيكون لها حياة خالدة في عالم الآخرة وسيكون لها حياة خالدة في عالم الآخرة، وبالطبع فإن معرفة هذا البعد ليست ممكنة بأدوات المعرفة الحسية والتجريبية (انظر: الخميني، ١٣٧٢: ٥؛ المرجع نفسه، ١٣٧٨: ٣، ٦٩) وهناك نقطة مهمة أخرى يجب الانتباه إليها بخصوص بحث ثنائية وجود الإنسان في العرفان النظري، وهي أن الروح الإنسانية، من حيث كونها من سنخ العقول والمفارقات (عالم الأمر)، هي مجردة ذاتاً، ولا يمكن ملاحظة أو أخذ أي نوع من التعلق في جوهرها.
بالنظر إلى هذه التعبيرات عن الصورة وبيان حكمها في العرفان النظري، فإن الوجود كله هو صورة ومظهر ومرآة للحق، ولكن بالطبع لا يوجد موجود يمثل الحق بشكل كامل؛ وذلك لأنه في بعض الحالات يغلب الظهور بالوجه الباطني والجمعي للحق، وفي حالات أخرى يغلب بالظهور بالوجه الظاهري والتفصيلي للحق؛ لذا فليس أي منهم مظهر له من جميع الجهات، بل وبسبب عدم وجود الشمولية بين هذه الوجوه لا يمكنهم أن يكونوا مظهراً تاماً له، إلا الإنسان، الذي اكتسب القدرة على المظهرية الكاملة للحق بجميع كمالاته بسبب امتلاكه لهذه الشمولية واشتراكه في جميع الوجوه الحقيقية والخلقية، ومن هنا فهو المرآة الكاملة الوحيدة له.