خلاصة:
إن تعاليم الهداية التشريعية، التي نزلت لإيصال البشر إلى شاطئ السعادة الآمن، تشمل نطاقاً واسعاً يمتد ليشمل جميع أفعال الإنسان الاختيارية، ولا يمكن لأي مجتمع أن ينال السعادة الحقيقية إلا باتباع هذه التعاليم. وتعد السياسة السكانية أحد مصاديق السلوك الاختياري للإنسان، والتي يجب كشف علاقتها بمجموعة تعاليم الهداية التشريعية بشكل صحيح، لكي يتم من خلالها الوقاية من تجارب وأخطاء السياسات السكانية المادية. وبالاستناد إلى هذه التعاليم، نعتقد أن أفضل سياسة سكانية هي تلك التي تُصاغ في توافق تام مع مجموعة تعاليم الهداية التشريعية الإلهية ومن أجل زيادة عدد المسلمين. هذا النوع من السياسة السكانية، بالإضافة إلى كونه يستند إلى الإرادة التكوينية والتشريعية لله، فإن تنفيذه يلبي الاحتياجات المادية والمعنوية للإنسان بأفضل شكل ممكن، ويعالج التحديات الاجتماعية المتنوعة التي تواجه زيادة السكان أو يقلل منها إلى الحد الأدنى.
ملخص الجهاز:
ولكن بما أن مسألة السكان قد تحولت اليوم إلى مسألة حكومية وتُعد من السياسات الكلية لكل دولة، فلا يمكن الاكتفاء بهذا الأسلوب من النقاش الفقهي، بل يجب إشراك تلك التعاليم التشريعية التي تؤثر بشكل غير مباشر في صياغة سياسة سكانية توحيدية، أو في تحليل وتقييم الزوايا المختلفة والمعقدة للنظريات السكانية الأخرى.
ومن خلال هذا المنهج، ومع التأكيد على أهمية وضرورة اتباع الهداية التشريعية، لن تنجرف زيادة سكان المسلمين بسهولة نحو مسلخ التحكم في السكان أو تقليلهم عند مواجهة التحديات السكانية.
وقد كشف القرآن مثل هذه الأساليب المنافقة: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ» (بقره: 204-205)؛ وبالاعتماد على الآيات أعلاه، يوضح العلامة طباطبائي أساليب الحكام الجائرين لتدمير نسل المسلمين على النحو التالي: و ذلك الشخص الذي يخالف ظاهر قوله باطن قلبه، عندما يسعى للفساد في الأرض، فإنه يفسد بطريقة يبدو ظاهرها الإصلاح؛ وذلك من خلال تحريف الكلمات عن مواضعها وتغيير حكم الله عما هو عليه، والتدخل في التعاليم الدينية؛ وهو تدخل يؤدي إلى فساد الأخلاق واختلاف الكلمة، ومن المعلوم أن فساد الأخلاق واختلاف الكلمة يؤدي حتماً إلى موت الدين وفناء الإنسانية وفساد الدنيا (طباطبائي، 1417ق، ج 2، ص 97).
ورغم أن التحقق الكامل لمثل هذا المجتمع المثالي لن يحدث إلا عند ظهور حضرت الحجة (عج)، إلا أنه يبدو أن الطريق الوحيد أمام المسؤولين وأفراد المجتمع هو بذل أقصى الجهود لزيادة النسل التوحيدي، جنباً إلى جنب مع السعي للنمو الروحي والأخلاقي للمجتمع بناءً على التعاليم الإلهية الهادية؛ لأنه بخلاف ذلك، فإن نقص السكان يحمل مخاطر لا يمكن تعويضها من جهة، ومن جهة أخرى، فإن وجود أنواع مختلفة من الضعف العقائدي والأخلاقي السائد في المجتمع وعدم علاجها، مثل الإلحاد، ونكران الآخرة، والدنيوية، والطمع، والجشع، والاعتداء على أموال الآخرين، سيكون تحدياً لأي عدد من سكان المجتمع ولأي نوع من السياسات السكانية، بما في ذلك خفض السكان.