خلاصة:
تعد واقعة «لن تراني» واحدة من الأحداث النادرة في التاريخ المقدس التي أشار إليها القرآن الكريم أيضاً في سورة الأعراف المباركة. يتناول هذا السياق كيفية لقاء حضرت موسى (ع) بالله الواحد الأحد في طور سيناء. لقد طرح القرآن هذه القصة باختصار في آيتين فقط، إلا أن العقول الدؤوبة والباحثة للعرفاء العاشقين لم تستطع المرور عنها ببساطة. كان التفسير الباطني والرمزي والإشاري هو المستند الوحيد للعرفاء لفهم فحوى «لن تراني»، وبناءً عليه، امتد نطاق الحديث ليشمل الصياغة اللفظية وشرح وتبيان المفاهيم الأساسية للتصوف الإسلامي. ما يتم تناوله باختصار في هذا المقال هو نوع النهج العرفاني والفكر التأويلي والمحوري الإشاري في سياق التفاسير العرفانية والباطنية لهذه الواقعة العظيمة، والتي كانت حتى الآن مورداً لتعاليم وأفكار تفسيرية عرفانية كثيرة في صفحات التاريخ النابض. إن الميقات الإلهي، والحوار بين الله الواحد وموسى النبي، و«لن تراني»، واندكاك الجبل، وصعق موسى، وإفاقته وتوبته، كلها مستورة في فحوى هذه القصة المذهلة.
ملخص الجهاز:
إن الله تعالى في الآية 143 من سورة الأعراف، يكشف الستار عن هذا الحدث الفريد الذي يقول عنه القشيري: «العبد قتيل هذه القصة» (القشيري، بلا تاريخ، ج 1، 566) لعبده الحق رسول مصطفى (ص) ويقول: {/«و لمّا موسی لمیقاتنا و کلّمه ربّه قال ربّ أرنیأنظر إلیک قال لن ترانی و لکن انظر إلی الجبل فإن استقرّ مکانه فسوف ترانی فلمّا تجلّی ربّهللجبل جعله دکّا و خرّ موسی صعقا فلمّا أفاق قال سبحانک تبت إلیک و أنا أوّل المؤمنین»/}.
قال جعفر فی قوله لن ترانی و لکن انظر إلی الجبل:أشغله بالجبل ثم تجلی و لولا ماکان من اشغاله بالجبل لمات موسی صعقا بلا إفاقه(سلمی،1369،ج 1:29-30) بناءً على ذلك، فإن طلب موسى رؤية الله نابع من بسط وجده أثناء حديث الذات الإلهية معه.
ويشير القشيري في عظمة قول الله: {/«و لکن أنظر إلی الجبل فإن استقرّ مکانه فسوف ترانی»/} إلى هذه النقطة أيضاً، وهي أن البلاء الذي حل بموسى بسبب هذا القول الإلهي كان أكبر وأشد ألماً من قول {/«لن ترانی»/؛ لأن الأول كان صريحاً في الرد، ومن البديهي أن اليأس هو مستقر الطمأنينة والراحة، إذ لا خوف فيه ولا رجاء، أما الثاني فقد زاد من طمع موسى، ولكن عندما تجلى الرب جل وعلا على الجبل، انهار الجبل فجأة، وهكذا يكون قهر وغضب الأحباب.
أي: بمجرد أن سمع موسى كلام ربه، غلب عليه الشوق إلى رؤيته وقال في نفسه: هذه لذة الخبر، فكيف تكون لذة النظر؟ إن مثل هذا التمني نابع من طبيعة وجبلّة البشر التي تسعى دائماً نحو الزيادة ولا تقنع بما لديها، وما الذي هو أفضل من تجلي الجمال الإلهي وفيض الوصال؛ ومن هنا طلب رؤية الله بغتة.