خلاصة:
إن معرفة الإنسان في كل مدرسة تؤثر على غائيته، مما يلقي بظلاله على نوع المعيشة وطريقة حل الصراعات. وضع ماسلو في باب الكمال الإنساني نظريته حول تحقيق الذات بناءً على المدرسة الإنسانية، وذكر أنه من خلال تجاوز الاحتياجات الأولية القائمة على النقص، يمكن إبراز الأبعاد الموهبية الموروثة إلى أقصى حدودها. أما الفارابي، فيلسوف السعادة، فمن خلال اهتمامه الخاص بوظيفة العقل والتفكير والموهبة، يربط الكمال الإنساني في الحياة المادية بالكمال في الحياة الأخرى، ويطرح نظرية شاملة حول الكمال والسعادة في مجال العقل، مع ازدهار المواهب الفطرية التي تتبع عطاء العقول. كلا المفكرين، رغم اختلاف رؤيتهما العالمية تجاه الإنسان التجميعي، يريان في النهاية أن كماله وسعادته يكمنان في اتجاه ازدهار والاستفادة من المواهب الفطرية، وبناءً على ذلك، تكتسب الموضوعات الرئيسية لحياة الإنسان مثل الألم واللذة معنى آخر، وتحل محلها مفاهيم الرضا والسعادة. في هذا المقال، ومن خلال دراسة تحليلية مقارنة لآراء هذين المفكرين من حيث نوع تعريفهما للكمال والسعادة، تناولنا كيفية حل الصراعات ومشكلات الإنسان في العالم الحقيقي، وقمنا بدراسة حلولهما ضمن خمسة مفاهيم: الكمال الجسدي، والتواصلي، والعاطفي، والعقلاني، والمعنوي.
ملخص الجهاز:
في هذا البحث، نسعى من خلال مقارنة فكر الفارابي ومزلو بالإنسان، وكماله وسعادته، إلى التطرق إلى هذه الموضوعات: كيف يمكن لكل من هذين التوجهين أن يجيب على مسائل حياة الإنسان في الأبعاد الجسدية، والعلائقية، والعاطفية، والعقلانية، والروحية فيما يتعلق بالكمال الحقيقي، وكذلك ما هي علاقة هذا الكمال بسعادة الإنسان، وكيف يعرّف مفاهيم المعاناة واللذة، وبيان كيفية الوصول إلى الكمال بناءً على تعريف الكمال، ومن ثم ذكر خصائص الإنسان الكامل.
أما ماسلو، فمن أجل تعريف الإنسان الكامل وخصائصه وطريقة الوصول إلى الكمال، وضع معياراً يعتمد على ما يمكن للإنسان أن يكون عليه، وليس على ما هو عليه الآن أو ما كان عليه، ولأجل هذه الأهمية، قام بدراسة ٤٩ عينة مختارة من البشر الكاملين.
وبناءً على وجهة نظر ماسلو، يمكن القول: بما أن الميل إلى الكمال أمر فطري وداخلي، فإن نوع معرفة الفرد وموقفه تجاه نفسه وتجاه العالم المحيط به يؤثر في نيله لذلك، كما أن الثقافات والمحفزات الخارجية تؤثر في نوع وطريقة ذلك، لكن هذا الميل في الأصل لا يحدث تغييراً.
ومع ذلك، توجد اختلافات أساسية في كيفية الوصول إلى الكمال، وخصائص الكمال والإنسان الكامل في رؤية الفارابي وماسلو، وهي نتيجة لاختلاف نوع النظرة إلى الوجود الأصيل للإنسان؛ لأن الفارابي يعتبر الإنسان في ساحتين مادتية وغير مادية، ويعتبر أصالة وجوده متعلقة بالعالم غير المادي، وبالتالي فإن كماله الأصيل يسير في ذلك الاتجاه بحيث أن حتى كمالاته المادية تسير في اتجاه الوصول إلى كماله الروحي، أما ماسلو فيضع كل نوع من أنواع الكمال في ساحة عالم المادة، وهو ما سيتم تناوله في الحالات التالية.
وبناءً على ذلك، فإن هذا الاهتمام بالنفس، الذي يبدأ بالميل الفطري الموضوع في كيان الإنسان، لا يملك وحده إمكانية الازدهار والكمال للإنسان، ولكن من الضروري أن يضع نفسه في مسار معرفة الجمال والمثل العليا حتى يتمكن من الوصول إلى الكمال من خلال عناية وفيوضات العقل العاشر.