خلاصة:
نظرية وجود الرابط المعلول في الحكمة المتعالية وبرهان صدر المتألهين عليها، تُعدّ من ابتكارات وسمات الفلسفة الهامة التي وضعها، ولها دور أساسي في هيكلية التشكيك في الوجود الصدرائي وربط حكمته بنظرية الوحدة الشخصية للوجود. لذلك، فإن التحليل الصحيح لهذه النظرية والنظر بتمعن في برهانها، بهدف كشف الأبعاد والزوايا لهذه المسألة الهامة وإبراز نقاط القوة والضعف المحتملة فيها، والتي تؤدي إلى فهم أكثر شمولية لبنية الحكمة المتعالية، من الضرورات البحثية الفلسفية. تسعى هذه الدراسة بالمنهج التحليلي ــ الانتقادي و بالنظر الدقيق إلى التشابهات والاختلافات بين وجهة نظر صدر المتألهين والحكماء السابقين حول وجود المعلول ومن ثمّ توضيح وبيان مفصل لبرهانه على وجود الرابط المعلول، ومن ثم نقد ومراجعة مقدمات البرهان الواحدة تلو الأخرى، لتبيان القصور والنواقص فيها لإثبات مقصد الصدر، وأهمها الخلط بين المعنى الإسمي أو الوصفي للرابط ومعناه الحرفي.
ملخص الجهاز:
من وجهة نظر الحكماء السابقين لصدر المتألهين ومن بينهم ابن سينا، فإن المعلولات والممكنات، رغم أنها من حيث الوجود هي عين الارتباط بعلتها، إلا أنه يمكن ملاحظة ذاتها في الذهن مستقلة ومنفصلة عن ارتباطها بالعلة، وبتعبير آخر يمكن اعتبارها «ذات له الربط» أي ذات مضافة إلى العلة (مصباح يزدي، 1376، ج 1، ص 258)، وهو ما يسمى اصطلاحاً بـ «الوجود الرابطي».
وفي فكر صدر المتألهين أيضاً، كما هو الحال عند سائر الحكماء، فإن الفقر والحاجة والتعلق بالعلة كامنة في ذات المعلول، مع هذا الفرق أنه في الحكمة الصدرائية، الوجود الرابط للمعلول لا يمكن تصور ذاته استقلالاً في الذهن ولا يمتلك ذاتاً مستقلة عن العلة في الخارج، بل هو مجرد شأن من شؤون العلة وربط محض: أن جميع الوجودات الامکانية والإنيات الارتباطية التعلقية اعتبارات وشئون للوجود الواجبي وأشعة وظلال للنور القيومي لا استقلال لها بحسب الهوية ولا يمکن ملاحظتها ذواتاً منفصله وأنيات مستقلة، لأن التابعية و التعلق بالغير و الفقر و الحاجة عين حقائقها، لا أن لها حقائق علي حيالها عرض لها التعلق بالغير و الفقر و الحاجة اليه، بل هي في ذواتها محض الفاقة و التعلق، فلا حقائق لها إلا کونها توابع لحقيقة واحدة، فالحقيقة واحدة وليس غيرها الا شئونها وفنونها وحيثياتها واطوارها ولمعات نورها و ظلال ضوئها و تجليات ذاتها (صدرالمتألهين، 1368، ج 1، ص 47).
وبهذا الترتيب، فإن وجود المعلول رغم أنه عين الربط والارتباط بالعلة، إلا أنه لا يزال يمتلك ذاتاً ووجوداً مغايراً للعلة، ولذلك لا يمكن عبر برهان صدر المتألهين إثبات الوجود الرابط للمعلول بالمعنى المقصود لديه، وبالتالي لا يمكن إثبات وحدة الشخصية للوجود.