خلاصة:
تُعد المدرسة العرفانية لصدر الدين القونوي بلا شك، أكبر مدرسة في نطاق المدرسة العرفانية لمحيي الدين العربي. أحد المسائل المطروحة في هذه المدرسة هي مسألة «الخيال» التي طُرحت في مجالين: المطلق والمقيد. عالم المثال المطلق هو أمر بين عالم الأرواح وعالم الحس، وهو المنزلة الثالثة من غيب الهوية، أما عالم الخيال المقيد فهو العالم المتوسط بين النشأة العنصرية للإنسان وروحانيته ومعناه. في الوجودية العرفانية، التمييز يكون بالإطلاق والتقييد والتعين واللا تعين، وتعين الخيال المطلق هو من امتزاج النور والظلمة.
ملخص الجهاز:
وبناءً على هذه النظرية، فإن العوالم الثلاثة لها ترتيب وجودي من حيث السبق واللحوق؛ بحيث أن العالم العقلي من الناحية الوجودية يسبق عالم المثال، وعالم المثال يسبق عالم المادة.
على أية حال، يرى المحقق القونوي أن الوجود المحض، في مقابلة العدم الذي هو مضاده، يمكن تعقله: «انّ النور المحض المشار اليه لا يغاير وجود الحق، و لاشك انّ وجود المحض المتعقل في مقابلة العدم المضاد له، فانّ للعدم الإضافي تعينا في التعقل لا محالة و له الظلمة، كما ان الوجود له النورية و لهذا يوصف الممكن بالظلمة، فإنه يتنور بالوجود فيظهر في الوهم فقط؛ فظلمته من احد وجهيه الذي يلي العدم، و كل نقص يلحق الممكن و يوصف به انما ذلك من احكام نسبة العدمية، و اليه الإشارة بقول النبي(: ان اللَّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فظهر.
يجب العلم أن القرب الإيجادي هو مقتضى الرحمة الرحمانية العامة التي تجلى بها الحق تجلياً شهودياً بصورة جميع الموجودات وجعل نفسه على نقش الجميع، وما قاله أمير المؤمنين( يشير إلى ذلك: «مع كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ وَ غَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ» (سيد رضي، خ أول)؛ إذ كيف يكون الشيء الذي هو معدوم بذاته مقارناً له؟ وإن موجوديته هي عبارة عن ظهور الحق بصورته، وبهذا المعنى فإن كل ما وصل إليه شعاع الوجود وصار موجوداً فهو قريب، و «ثم رشّ عليهم من نوره» تشير إلى هذا القرب، وبهذا المعنى يقول الشيخ الشبستري: «قريبٌ هو مَن كان رشُّ نورٍ»؛ أي أن كل ما وجد وصار موجوداً من رش النور فهو قريب، وقوام جميع الأشياء في الحقيقة هو بهذا القرب، ولو لم يكن ظهور الحق بصورتها لكانت جميعاً متوارية في آبار ظلمة العدم.