خلاصة:
في المقالة الحالية، يتم بحث وجهة نظر الغزالي فيما يتعلق بمقام الإرادة النفسية. يولي الغزالي اهتماماً لمقام الإرادة الإنسانية على مستويين: الحيواني والإنساني. إن استخدامه لتعبيرات مثل القوة العاملة، العقل العملي، القدرة، والإرادة في إطلاقها على مقام الإرادة النفسية البشرية يطرح مسألة مهمة وهي ما إذا كان للعقل العملي طبيعة معرفية أم تحريضية؛ حيث يشير بحث الموضوع إلى اعتقاد الغزالي بانتماء العقل العملي إلى الجانب المعرفي مع التأكيد على دوره التحريضي في تنفيذ الأفعال. إن الأهمية التي يوليها الغزالي لوجود عنصر الوعي في الأفعال الإرادية تجعل تشكل «الفعل» بمعناه الحقيقي مشروطاً بوجود إرادة نابعة من الوعي، وتظهر هذه المسألة في نقاشات «المعنى الحقيقي للفعل»، و«دور الاختيار في التقييم الأخلاقي للأفعال»، و«تبيين مفهوم الاختيار». وكما يلاحظ في بحث الأفعال الاختيارية، فإن تأكيده الخاص على عنصر الفهم أو الإدراك العقلي لإدراك خيرية الفعل وتحفيز الإرادة بعد ذلك يجذب الانتباه.
ملخص الجهاز:
بناءً على ذلك، يمكننا أن نتوقع أنه في بحث «رياضة النفس»، سيضع أول موضوع -بعد طرح المقدمات- هو إثبات «إمكانية تغيير الخلق» (انظر: الغزالي، كيمياء، الثاني، ٩-١٠ وإحياء، الثالث، ص ص ٦١-٦٢) ثم طرق الوصول إلى الخلق الحسن؛ وهو البحث الذي يعبر عن مركزية 2 «الإرادة» في فكره تجاه ماهية الإنسان.
وبناءً على هذا الحساب، يمكننا القول إن الغزالي في تعريف الساحة الإرادية للنفس ينظر إلى مجال واسع يشمل من جهة المبادئ العاطفية للأفعال («اللذات» و«الآلام»)١، ومن جهة أخرى، يشمل محركات ودوافع أفعال الإنسان («الإرادة»)، ومن جهة ثالثة، يشمل ذلك الجانب من الأفعال الذي يباشر فيه الفاعل القيام بالفعل («القدرة»)، في حين أن كل هذا يوضع تحت المرتبة الإدراكية والعقلانية للنفس.
بناءً على هذا الحساب، عندما يُعرّف الغزالي السعادة النهائية للنفس بأنها معرفة الله تعالى ٢ (انظر: الغزالي، إحياء، الثالث، ٦٨، وكيمياء، الثاني، ١٩) ويرى أن جميع الأبعاد الوجودية للإنسان في خدمة الوصول إلى هذا الهدف، فإنه عند البحث في الأبعاد المختلفة للنفس، بالإضافة إلى الاهتمام بكل بُعد منها بشكل مستقل، يسعى أيضاً لكي لا ينسى الارتباط بينها.
إن إدراج العقل العملي في الساحة المعرفية للنفس من جهة، وإطلاقه على الساحة الإرادية من جهة أخرى، يمكن أن يعبر عن الأهمية التي يوليها الغزالي لحضور عنصر الوعي في الأفعال الإرادية؛ لدرجة أنه يعتبر تشكل الفعل (action) بمعناه الحقيقي مرهوناً فقط بوجود إرادة ناشئة عن الوعي.