خلاصة:
إن الإشكال المعروف للوجود الذهني، خلافاً للتصور الذي شاع بعد صدر المتألهين، كان مألوفاً لدى ابن سينا؛ فهو لم يطرح هذا الإشكال فحسب، بل قدم له أيضاً رداً واضحاً. وهذا الرد هو في الحقيقة نفس الرد الذي طرحه صدر المتألهين بعد قرون من خلال الاستعانة بتفريق ميرداماد بين نوعي الحمل: الحمل الشائع الصناعي والحمل الذاتي الأولي، ودون الرجوع إلى الشيخ الرئيس. كما أن رد ابن سينا، وخلافاً لتصور ملا صدرا، لا يكتفي فقط بكفاية جميع وجوه الإشكال، بل إنه يزيل بعض الاعتراضات التي وردت في الردود اللاحقة -والتي نتجت عن الغفلة عن هوية الوجود الذهني- وذلك من خلال توضيح معنى مجيء الماهية إلى الذهن عند العلم بأمر خارجي، وعبر توضيح معنى العين والأعيان.
ملخص الجهاز:
بما أن الشيخ يسعى لإثبات عرضية العلم، وبما أنه يعتقد أنه عند العلم بجوهر ما، فإن صورته العلمية أيضاً -التي تحضر لدى العقل من جهة تجردها عن المادة- تملك ماهية الجوهر، أي أن الوجود الذهني للجوهر يملك نفس الماهية التي يملكها ذلك الجوهر في العين والخارج، يبرز هذا الإشكال: كيف يكون الوجود الذهني (أو بالتعبير عن الشيخ، الوجود العقلي) للجوهر، من حيث هو علم، عرضاً؟ يقوم الإشكال على ثلاثة افتراضات مسبقة: (1) عند العلم بشيء ما، فإن صورته العلمية في الذهن تقع تحت نفس المقولة التي يقع تحتها ذلك الشيء في الخارج.
(1) 2ـ الإجابة على إشكال الوجود الذهني 1ـ2ـ يؤكد الشيخ أولاً أن معنى ماهية الجوهر هو ألا يكون في موضوع في الأعيان، والجواهر المعقولة، أي الجواهر التي لها صورة علمية في الذهن (العقل) وهي معقولة، تملك أيضاً هذا الوصف؛ لأن شأنها أيضاً هو ألا تكون الأعيان في موضوع؛ ولكن لا يستنتج من هذا أن «عدم الوجود في موضوع» قد أُخذ في حد وجود الجوهر في العقل أيضاً، بمعنى أن حد الجوهر ليس هو ألا يكون في موضوع في العقل (الذهن)، بل «حده هو أنه سواء كان في العقل أو لم يكن، فإن وجوده في الأعيان ليس في موضوع».
إيراد صدر المتألهين من المثير للدهشة أن صدر المتألهين يرى في هذا البيان إشكالاً رغم أنه يلخصه نقطة بنقطة، ويكتب عنه (شرح إلهيات الشفاء، 1/573): «إن ما ذكره الشيخ، وإن كان يرفع الإشكال فقط في باب كون العلم بالجوهر عرضاً، إلا أنه يجب أن يكون العلم بكل مقولة من تلك المقولة، وبالتالي يلزم من تعقل الجوهر أن تكون الصورة العقلية للجوهر جوهراً وكيفاً في آن واحد، وكذلك صورة الكم في العقل تكون كماً وكيفاً، وكذلك في تعقل الأعراض غير الكيف، فاجتماع اثنين من المقولتين في ماهية واحدة يلزم.