ملخص الجهاز:
كنت حائراً في بداية فكري كيف أضع أساس الكلام ومن أي باب أدخل، وفجأة أشار شيخ العقل بيده إلى جانب طلبي وقال: إن كتاب (سلوان المطاع) هو كتاب مؤلف على طريقة كليلة ودمنة، ومملوء بالإشارات والقوانين الحكمية المبنية على غرائب أخبار الخلفاء ونوادر أخبار السلاطين الماضية، وموشح بحكايات الحيوانات، ومرشح بحكم الأمثال، ولكن بسبب أن مبتكره قد كسا عرائس الأفكار البكر لغات التمازج (العربية)، وجعل معانيها الصافية تُسقى للناس في أوعية مجازية، ولم يجد من تلك المذاقات عذوبة، ورغم أن جماعة بدؤوا في ترجمته إلا أنهم بعباراتهم الواهية وكلماتهم غير المنضبطة جعلوا رواج سوقه أكثر كساداً، فلو أن تلك العرائس الفاتنة تظهر على منصة الظهور كما تفعل أنت أيها المصفف، وتزينت بالدرر في أعناق وآذان تلك الكشميريات من أصل عربي، فلا شك ستصبح مطلباً لجميع الرغبات، فبمجرد أن وصلت هذه الإشارة إلى مسامع قلبي، شرعتُ في البحث عن ذلك الكتاب بكل همة، وفي نهاية المطاف حصلتُ على نسخة منه عن طريق أحد الأصدقاء، ورأيتُ أنه من الواجب التأمل فيه تأملاً شافياً من حيث اللفظ والمعنى، فخططتُ صورة العمل النهائي بأسلوب التأمل في الصفحة الأولى من الفكر، ثم فتحتُ مفاصل فصول أبوابه، وكل ما وجدتُ فيه من جفاء أو صعوبة قمتُ بصياغته، واستخلصتُ زبدته وصفوته في سلك العبارات، وأضفتُ في بعض المواضع حكايات عدة على سبيل التمثيل، وتصرفتُ في تقديم الحكايات وتأخيرها وزيادتها ونقصانها حسب المصلحة، شعر: كل حكاية منفردة صارت بيتاً للكنز لا مجرد أسطورة إن رأيتُ بيتها قصيراً أطلتُ قوامها بلفظي وإن كانت طويلة فوق الحد قصرتُها بصنعتي وكان الأصل في وضعه قائماً على خمس سلوان، فجعلتُها أبواباً، وما ذكرتُه في مقدمة الكتاب من سبب التأليف وتمهيد سرد الحكايات على لسان الوحوش والطيور، فقد جعلتُ تعريف الكتاب وسبب تأليفه على ذلك المنوال، وجعلتُ الإشارة إلى عالم الحيوانات مرتبة كما هي في أول الكتاب، ومن ذلك صغتُ مجموعةً، وكسوتُ ظاهرها بلطائف العبارات وألبستُها حلل آداب الملوك، وتوّجتُ وجودها بجمال الفصاحة، وافتتحتُ أبوابها بالشواهد والأخبار والآيات، وسَميتُه (رياض الملوك في رياضيات السلوك)، وفجأة خرج من خدر الحكمة العروس إلى منصة الظهور متجلیاً، حتى فُتنت به القلوب واضطربت له الأرواح؛ رياضٌ منزهٌ لكل عاقل أديب، ورياضاتٌ مصفاة الطباع لكل كامل لبيب.