خلاصة:
إن الكلام الموزون لا يجلب الشغف فحسب، بل يلطف من فوران الفرح. يصفق بيديه ويبدأ رقصاً صوفياً على إيقاع نابع من الروح. يقيم سماعاً ليتمكن من تهدئة الوجد اللامتناهي. لذا، يصبح استخدام الموسيقى والوزن ضرورياً للتعبير عن الأحزان والأفراح. في هذا المقال، نسعى لتوضيح جوانب العلاقة بين الشعر والموسيقى وضرورة استخدام الوزن والموسيقى في الشعر، وخاصة في المراثي، والإشارة إلى بعض المكونات المشكلة لموسيقى الشعر وتقسيماتها والعلاقة بين الموسيقى والحداد. الموسيقى والوزن من عوامل تمييز الشعر عن النثر، مما يؤدي إلى خلق الخيال لدى المستمع والقارئ. «يعتقد الفارابي أن أقوال الشعر، إذا اقترنت بالموسيقى، فإن عنصر الخيال فيها سيزداد وسيزيد من درجة الانفعالات النفسية تجاه الأثر. لذا، من وجهة نظره، يعتبر الوزن والموسيقى من عوامل الخيال»1. الموسيقى الحاكمة على الأشعار، جنباً إلى جنب مع مفاهيمها ومعانيها، تؤثر على القارئ، وأحياناً تكون أكثر تأثيراً من الألفاظ والمفاهيم، حيث يستمتع المستمع بسماع الإيقاع النابع منها حتى دون إدراك كامل لمعنى الأبيات. الإنسان، بشكل غير واعٍ، يجعل الشعر والكلام الموزون مترجماً لحزنه وفرحه. وعندما يتجاوز حزنه قدرة التحمل، ينطلق لسانه بالنواح، ومن خلال نظم لحن حزين وهمهمة موزونة، يخفف من شدة آلامه وأحزانه، وعبر تكرار بعض العبارات الموزونة، يطفئ النار الخارجة من قلبه ويهدئ غليانه الداخلي. في هذه الحالة، لا يكون تكرار نغمة موسيقية أو بيت شعري مملاً، بل يعتبر مبهجاً وغاسلاً للآلام الداخلية. إنه يغسل أثر الحزن عن بساط القلب بفيض الدموع ويكشف سر الغصة المكتوم: «أطراف أهدابي بالاحمرار على بياض الوجه الأصفر، تكتب قصة القلب، ولا حاجة للقول» (سعدي/غزل 556/117). وأحياناً عندما يمتلئ قلب الشاعر بالفرح ويصبح وعاء وجوده غير قادر على تحمل كل هذا...
ملخص الجهاز:
موسيقى مراثي العزاء: يمكن دراسة الموسيقى من منظورين كلي وجزئي: أ- الموسيقى من المنظور الكلي، كما يستخلص من مجموع التعاريف، هي بتعبير إخوان الصفا «معرفة النسب وكيفية التأليف»2، وهي تشمل الوجود بأكمله، والنظام الحاكم على الوجود ليس خارجاً عن دائرة هذا التناسب بين الأجزاء.
فمثلاً، يقول خاقاني في مطلع قصيدة أخرى نظمها في رثاء ابنه رشيد الدين، حيث يثقل حزن وفقدان قرة عينه قلبه: «دلنواز من بیمار شمایید همه بهر بیمار نوازی به من آیید همه» (خاقاني/قصیده604/) إذا فصلنا الصوائت النهائية لهذا البيت، نرى أنه استخدم اثني عشر صوتاً حاداً، وثلاثة عشر صوتاً متوسطاً، وحالة واحدة فقط من الأصوات الغليظة، في حين أن ظهور الأصوات الغليظة يكون أكثر بروزاً في البيت الافتتاحي لمقطوعة خُصصت لرثاء كافي الدين عمر، عمّه، حيث يقول: «کو آنکه نقد او به ترازوی هفت چرخ شش دانگ بود راست به هرکفّهای که سخت» كما يُلاحظ، فقد استخدم خاقاني في هذا البيت أربعة صوائت طويلة «او» التي تُعد ذروة الغلظة في موسيقى الصوت، ومن خلال مقارنة هذين البيتين يتضح أن جو الحزن والأسى في النموذج الأول أكبر منه في النموذج الثاني.
كما أن لرنين الحروف تطبيقاً في قصائد الرثاء، حيث نشير هنا إلى أحد الأمثلة، وهو استخدام الصامت «ر» للدلالة على امتداد حالة الحزن؛ فقد استخدم خاقاني كلمة «زار» التي تنتهي بالصامت «ر» في البيت التالي الذي نظمه في رثاء ابنه رشيد الدين، مما يجعل طول وامتداد البكاء والنحيب يستقر في ذهن القارئ.