خلاصة:
موضوع هذا المقال هو دراسة الاختلاف في كيفية العلم بالصور العقلية مع الصور الحسية والخيالية عند ابن سينا. وفقاً لما هو مشهور، فإن العلم بالصور العلمية عند ابن سينا هو علم حضوري ومباشر. الهدف من هذا المقال هو التمييز بين العلم بالصور المعقولة والعلم بالصور الحسية والخيالية. يُفهم من نصوص ابن سينا أن هناك اختلافاً بين العلم بالصور المعقولة والعلم بالصور الحسية والخيالية. العلم بالصور المعقولة هو علم مباشر وحضوري؛ بينما العلم بالصور الحسية والخيالية هو علم وسيط وحصولي. يعود هذا التمييز إلى أسس ابن سينا في الوجود (الأنطولوجيا) وعلم النفس. استطاع ابن سينا إثبات العلم الحضوري بالصور المعقولة من خلال الإيمان بأن الصور المعقولة أولاً هي أمور مجردة وبالتالي يمكن العلم بها بشكل مباشر، وثانياً بأن حقيقة وواقع الأشياء يشكلها وجودها وهيئتها الوجودية.
ملخص الجهاز:
ولكن العلم الذي يمتلكه الإنسان تجاه هذه الصور نفسها، كيف يكون؟ هل هو علم بوساطة أعضاء وقوى وصور أخرى؟ يعتقد ابن سينا أن هناك فرقاً بين العلم بالصور الحسية والخيالية والعلم بالصور المعقولة؛ بحيث أن العلم بالصور الحسية والخيالية بسبب كونه ينظر إلى العقل العملي، أي ارتباط النفس بالبدن، فهو علم وسيط وحصولي؛ بينما يُعتبر العلم بالصور المعقولة، نظراً لأنه ينظر إلى العقل النظري وارتباط النفس بالجواهر العقلية، علماً غير وسيط وحضورياً: فأما الصور العقليۀ فإن الاتصال بها بالعقل النظري و أما هذه الصور (الجزئيه ) فإن النفس إنما تتصورها بقوة أخري و هو العقل العملي و يخدمه في ذلک الباب التخيل .
وهناك تحليل آخر يمكن تقديمه حول العلم الحضوري بالصور المعقولة، وهو بأن الوصول إلى الصور المعقولة وإدراكها غير ممكن من وجهة نظر ابن سينا بمجرد التقشير والتجريد: فإن القوة العقليۀ إذا اطلعت علي الجزئيات التي في الخيال و أشرق عليها نور العقل الفعال فينا الذي ذكرناه، استحالت مجردة عن المادة وعلايقها وانطبعت في النفس الناطقة، لا على أنها أنفسها تنتقل من التخيل إلى العقل منا...
وبناءً على ذلك، فإن الصور الحسية والخيالية التي هي أمور مادية، تنطبع في محل مادي، ونتيجة لذلك، فإن النفس الناطقة بصفتها مدركاً حقيقياً، تحتاج إلى الاستعانة بالقوى والأعضاء المادية للعلم بها.
وهذا الأمر لا ينطبق على الصور المعقولة؛ لأنه من وجهة نظر ابن سينا، الصور المعقولة هي أمور مجردة عن المادة، وبالتالي فإن المحل الوحيد الذي يصلح لحلولها هو النفس الناطقة ذاتها -وهي أمر مجرد-.
وبناءً على ذلك، فإن علم النفس الناطقة بالصور المعقولة لا يحتاج ليس فقط إلى صورة أخرى، بل لا يحتاج أيضاً إلى قوى وأعضاء، ونتيجة لذلك، فإن العلم بها هو علم مباشر وحضوري.