خلاصة:
يعد التوجه السياسي للإمام السجاد (ع) في مراحل مختلفة من حياته، بما في ذلك في ثورة المدنيين ضد جهاز الحكم الأموي، من المسائل المهمة في سيرة تلك الشخصية. هو الذي شهد في سن الشباب استشهاد المقربين وأسر عائلته، تابع في بقية حياته نمطاً سلوكياً خاصاً، لا سيما ما أظهره في مواجهة سياسة يزيد الاستبدادية. وبالرغم من التوقعات الأولية، لم يواجه الإمام جهاز الحكم الأموي فحسب، بل لم ينخرط أيضاً في الاحتجاجات الشعبية ضد الحكم، وبمصطلح المعاصرين اتخذ سياسة عدم التدخل، وقضى معظم وقته كعالم تقي وقائد زاهد في القيام بأعمال لم تكن متوافقة مع عقلية الناس في عصره والعصور الأخرى. تهدف هذه المقالة إلى توضيح سلوك الإمام، والبحث في أساس مواجهته للقضايا التي طرأت، وتوضيح توجهه السياسي، خاصة في واقعة الحرّة. وتفترض الكتابة أنه اختار مثل هذه السياسة بروح سلمية، من أجل الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وصون أرواح البشر، وتعزيز المجتمع الإنساني.
ملخص الجهاز:
لقد تنحى الإمام في هذه الواقعة جانباً، وبالابتعاد عن المدينة، نأى بنفسه عنها، بل وفي تصرف مذهل وإنساني، قدم الحماية لعائلة مروان بن الحكم، الذي كان أحد الأمويين الذين غضب منهم أهل المدينة، والأهم من ذلك، بحسب قول الطبري، أنه استقبل حصين بن نمير، أحد قادة يزيد في مذبحة المدينة، في المدينة عند عودته من مكة وهو في حالة من التعب والإرهاق.
ورغم أن بعض الكتاب، بناءً على فرضية عقائدية تقوم على مقتضيات نزعة الإمام الصدامية، حاولوا بيان سلوك صدامي للإمام، إلا أن التواريخ الموجودة لا تقدم تقريراً عن ذلك، باستثناء ما نطقه الإمام في حضور يزيد في الشام، والذي أثر بقوة في رسم الصورة الحقيقية ليزيد كما يقول الرواة، لدرجة أنه من أجل تبرئة نفسه، ألقى بكل الذنب على عاتق عبيد الله بن زياد ولعنه، على خلاف أوامره قد عمل بها (الدينوري، 1960: 261)، ولا يُرى أي شيء آخر من النشاط الحركي الشديد لذلك الشخص العظيم، ولهذا السبب لم يقم أي من الخلفاء بمواجهة علنية معه، على الرغم من وصول أخبار إليهم من كل حدب وصوب بأن الإمام يقوم بتحركات تأسيسية بشكل سري، باستثناء ما نُقل بخصوص الحجاج بن يوسف الثقفي الذي طلب من عبد الملك مروان القضاء على الإمام الذي كان مشغولاً سراً بالأعمال الثقافية والدينية، ولكنه في المقابل حذره من الانخراط في سفك دماء بني هاشم (المسعودي، 1426: 146؛ الأربلي، 1405، 311.
وقد ذكروا أن عبد الله ذهب مع مجموعة من أهل المدينة للتحدث مع يزيد إلى ديار الشام، ولكن بعد اللقاء والمجالسة، اتخذ موقفاً غاضباً ضده وادعى أنه إذا لم يعاونه أحد، فإنه سيعود للمعارضة ضد يزيد مرة أخرى (ابن خياط، 1414: 148 وما بعدها).