خلاصة:
إن بحث السعادة، الذي بدأ من المباحث الفلسفية اليونانية، قد استُكمل في الفلسفة الإسلامية. تُعتبر طبيعة السعادة مزيجاً من الأبعاد المعرفية والتجربة الشعورية التي تتوافق مع التعريفات الحديثة في علم نفس السعادة. إن الاهتمام بمستويين من السعادة: السعادة الانفعالية والسعادة الروحية، باستخدام مصطلحي 'الفرح' و'البهجة' في مباحث ابن سينا، والربط بين السعادة والروحانية، يعد من الإنجازات المعرفية للفلسفة الإسلامية. في مباحث علم النفس الإيجابي والمذاهب مثل 'اللامائية' (Lamaism)، أصبح الارتباط بين السعادة والهدف والمعنى في الحياة وثيقاً لدرجة أن السعادة تُقدم بوصفها هدف الحياة لجميع البشر والمكون الأساسي للمعنى؛ ولكن في تحليل أعمق يتضح أن السعادة هي نتيجة للهدف وليست سبباً له، ولا يمكنها المساهمة في معنى الحياة إلا عندما ترتبط بالروحانية والأهداف الكمالية العليا، وتصبح كمركز اهتمام كنتيجة وثمرة لهذا الارتباط. إن مباحث النهج القائم على الهدف للسعادة تقدم فقط شكلية للسعادة وتضع بعدها الغائي دون مراعاة البعد القيمي.
ملخص الجهاز:
ويتبع أرسطو أيضاً النهج المعرفي ذاته لأفلاطون، حيث يتناول في كتاب "الأخلاق النيكوماخية" صراحةً نقد هذا الفكر الذي يرى أن فصل السعادة واللذة عن الفضيلة، أو اعتبار السعادة مجرد لهو ولعب، هو فكر باطل وطفولي: إن السعادة لا تعتمد على اللهو واللعب، وإذا قال شخص إن اللهو واللعب هو الغاية المنشودة، فإنه في الحقيقة يقول كلاماً باطلاً؛ إذ لا يمكن لأحد أن يقول إن كل هذه المشقات في الحياة وتحمل عناء العمر كله هو من أجل قضاء الوقت في اللعب؛ لأن كل شيء نختاره في الدنيا هو من أجل القيام بشيء آخر، إلا السعادة فهي غاية كل الأعمال؛ أما تحمل الألم والمعاناة والمشقة من أجل الوصول إلى هدف هو اللهو والتسلية، فهو فكر باطل وطفولي (أرسطو، 1386، ص 409).
وبهذه الطريقة، فإن تركيز عدسة علم النفس الإيجابي على البعد المعرفي للسعادة قد أدى إلى إبراز مفاهيم مثل الرضا عن الحياة والسعادة والبهجة إلى جانب مفهوم السعادة؛ بحيث أصبح الشعور بالرضا عن الحياة، في التقييم العام للشخص تجاه حياته، موازياً للسعادة والبهجة، أو أن إشباع الدوافع الداخلية والوصول إلى الرغبات المرغوبة والمناسبة لطبيعة الشخص سيؤدي إلى السعادة ومعنوية الحياة.
كما طرح البعض، من خلال نهج سيكولوجي، بحث العلاج بالمعنى (Logotherapy)؛ حيث يسعى فيكتور فرانكل، مع التأكيد على المباحث الوجودية، من خلال هذا المنهج إلى جعل معاناة وصعوبات الحياة ذات معنى للإنسان عبر الهدف وضخ القيم في حياته؛ مثل الشخص الذي يعتبر إصابته في الحرب تضحية إلهية ويتحمل الألم والمعاناة بسهولة.