خلاصة:
إن تبيين وتعريف مفاهيم «العدالة» و«السيادة السياسية» قد أدى إلى ظهور وبروز نقاشات ومناظرات وجدالات علمية وكلامية وسياسية مختلفة، لدرجة أن المباحث الكلامية والمعرفية الدينية لم تسلم من هذه المناقشات والتساؤلات، تساؤلات من هذا القبيل: - هل العدالة مفهوم مطلق أم نسبي؟ - هل العدالة أمر لا يتغير أم أن ماهيتها في تحول مستمر؟ - هل يمكن للمؤسسات السياسية أن تكون قائمة على نظام ديني وإيماني؟ - هل يمتلك القرآن ودين الإسلام فكراً سياسياً متماسكاً لتشكيل حكومة عادلة وإدارة عادلة للمجتمع؟ و... تسعى المقالة الحالية إلى إيجاد إجابات للتساؤلات المذكورة أعلاه من خلال كلام الوحي والمنهج السياسي والاجتماعي لأمير المؤمنين حضرت علي (ع).
ملخص الجهاز:
والشاهد على هذا الأمر هو أنه لم ترد في أي آية طاعة الله بمفردها، في حين أن الكثير من الآيات المتعلقة بالنبي(ص) جاءت إما كأمر من الله إلى جانب الواجبات الأخرى مثل «و اقیموا الصلواه و آتو الزکاه و اطیعوا الرسول لعلکم ترحمون» 8 أو كأمر من لسان الأنبياء(ع) أنفسهم مثل: «فاتقو اللّه و اطیعون» 9 الآن، بالنظر إلى معنى الطاعة، التي هي امتثال الأمر، فإنه إذا لم يكن للأنبياء أي أمر أو نهي من تلقاء أنفسهم، فلا يمكن تصور معنى الطاعة لهم.
يقول العلامة الطباطبائي في تفسير سورة الأنعام الآية 107: «إن كلام الله و ما جعلناک علیهم حفیظا و ما انت علیهم بوکیل هو كما في الأجزاء السابقة من الآية، يهدف إلى مواساة النبي(ص) وطمأنة نفسه، ومثل قوله إن "الحفيظ" ليس هو الشخص الذي يُراد منه إدارة شؤون الناس وأحوالهم مثل الحياة والنمو والرزق وغير ذلك، وأن "الوكيل" ليس هو الشخص المكلّف بإدارة أعمال الموكّل (الله) لكي يكسب له المنافع التي قد يتعرض لها ويدفع عنه الأضرار؛ لذا فإن معنى الآية باختصار هو أنه لا الشؤون التكوينية للمشركين ولا شؤون حياتهم الدينية تقع على عاتقك، حتى يحزنك رفض دعوتك وعدم قبولهم لها.
لقد تحدث العلامة الكبير المرحوم السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان بشكل مفصل عن العدالة من وجهة نظر القرآن، وبما أن هذا التفسير مقبول لدى الكثير من الفرق الإسلامية، ولأن تفسير القرآن يكون بالقرآن نفسه، فإننا نستند إليه: يقول: «إن الذين يبحثون في أحكام ومعارف الإسلام يمرون كثيراً بلفظ العدالة خلال بحوثهم، وقد يواجهون تعريفات مختلفة وتفسيرات متنوعة للعدالة ناتجة عن اختلاف أذواق الباحثين ومناهجهم، ولكن الذوق الذي نختاره في تعريف العدالة يجب أن يكون ذوقاً يتوافق مع عملنا وهو تفسير القرآن؛ ذوقاً يمكن من خلاله تحليل معنى العدالة وكيفية اعتبارها بما يتفق مع الفطرة التي هي أساس جميع الأحكام الإسلامية، وهذا بحد ذاته ذوق خاص».