چکیده:
نظرية الحق الطبيعي، كمبدأ حاكم في مجال فلسفة الحقوق وأساس للوائح والاعتبارات العقلية والقانونية، محط اهتمام الفلاسفة المسلمين. وكان الفارابي أول مفكر قام في هذا السياق، من ناحية بالنظر إلى الأسس المعرفية والوجودية، ومن ناحية أخرى بالأخذ في الاعتبار العلاقة والنسبة بين الحقوق الاعتبارية والعالم التكويني، ووضع نظرية أكد فيها أساسيات الفلسفة المدنية والأنثروبولوجيا وقام بتحليل وتوضيح أهم الامتيازات البشرية في الحياة الفردية والمدنية، والتي تعتبر اليوم من الأسس الأخرى للحقوق العامة والاجتماعية. نظرته لهذه النقطة تأتي من خلال دراسة زوايا ومساحات المدينة الفاضلة التي تكون منظومتها المعرفية ناقصة بدون مراعاة الحقوق والعدالة الأساسية. ومن أجل تحقيق هذا المطلب، يجب مراعاة الأسس التكوينية والارتباطات والتبعية للحق في مختلف المجالات، وفي سبيل الوصول إلى هيكل نظرية الفارابي حول الحق، وعلاقته بالعالم التكويني والطبيعة، من الضروري دراسة مفهوم الحق الطبيعي ومكانة العدالة الأساسية ونسبية بعض الحقوق ومنطق معرفة الحق من الباطل.
خلاصه ماشینی:
وفي هذا السياق، كان الفارابي أول مفكر اهتم بهذا المجال، حيث قام من جهة بالاعتماد على الأسس المعرفية والوجودية، ومن جهة أخرى مع الأخذ في الاعتبار العلاقة والنسبة بين الحقوق الوضعية والعالم الوجودي، بوضع نظرية مع التأكيد على أسس الفلسفة المدنية وعلم الإنسان في تحليل وتوضيح الميزات الأساسية للإنسان في الحياة الفردية والمدنية التي تعتبر اليوم بمثابة البنية التحتية لحقوق عامة واجتماعية أخرى.
ولتحقيق ذلك، من المستحسن مراعاة الأسس الوجودية والانتماءات والاعتماديات الخاصة بالحق على المجالات والسياقات المختلفة، وفي سبيل الوصول إلى هيكل نظرية الفارابي حول الحق وعلاقته بالعالم الوجودي والطبيعة، من الضروري دراسة مفهوم الحق الطبيعي ومكانة العدالة الأساسية والنسبية لبعض الحقوق ومنطق التمييز بين الحق والباطل.
ويشير المحقق الكومباني الشيخ محمد حسين الأصفهاني، معتبرًا الحق، إلى أن مفهومه مشترك لفظيًا بين المصاديق المختلفة (الكومباني، ١٤١٨، ج ١: ١٩)، ويعتمد الفقهاء المعاصرون أيضًا على هذا الأساس في بناء تعريفاتهم للحـق على أساس اعتباريته (مثل: الحكيم، ١٤١٦، ج ٤: ٤٥؛ صدر، ١٤٢٠، ج ٣: ٢٣٢؛ حائري، ١٤٢٣، ج ١: ١٢٣)، وبناءً على ذلك، يعتبر جوهر الحق وذاته اعتباريًا وتعاقديًا.
ووفقًا لهذه العبارة، فإن العناصر الأكثر أهمية هي: أولاً) أن يكون مرغوبًا فيه للجميع، لأن قانون الخلق يقوم على أساس أن الحق يتمتع برغبة عامة، تمامًا مثل الخير والفضيلة اللذين يجذبان الجميع؛ ثانيًا) أن جميع البشر، سواء علموا أم لم يعلموا، يسعون في الواقع إلى هدف ذاتي واحد ويسعون لتحقيقه، ومن هذا المنظور، لا يوجد بينهم خلاف؛ ثالثًا) لا يتحرك الإنسان بشكل فطري، وباعتباره إنسانًا، في مسار لا يؤدي إلى الحق والفضيلة، إلا إذا انحرف أو ضل طريقه، ولا يصل الإنسان من خلال هذا المسار إلى ما يريد، ودون أن يدرك، يسير في اتجاه مخالف لهدفه، ومن هذه النقطة تبدأ معظم الخلافات والصراعات بين البشر.