چکیده:
منذ بداية عقد التسعينيات الميلادية فصاعدًا، أصبح خطاب الحوكمة الرشيدة موضوعًا محوريًا في الأوساط والمؤسسات الوطنية والدولية للتنمية والأدبيات العالمية للتنمية، بحيث لا يمكن لأي تأمل جاد في التنمية أن يتجاهله. ومع ذلك، فإن جميع الذين بذلوا جهدًا في التعبير عن آرائهم حول أسس ومعايير ومؤشرات هذا الفكر، سواء كانوا مؤيدين أو منتقدين، لا يقدمون وجهة نظر واحدة وموحدة عنه؛ بل يرسم كل واحد منهم تصورًا مختلفًا للحوكمة الرشيدة، استنادًا إلى أسسهم الفكرية ومقدماتهم الفكرية أو تجاربهم العملية والسياسية. التأمل في نظام الدلالات المعنوية لخطاب الحوكمة الرشيدة يظهر مزيجًا متعدد الطبقات من المعاني المتباينة التي تعكس على الأقل ثلاثة قراءات أو توجهات متميزة: القراءة السياساتية ـ التكنوقراطية، القراءة الموجهة إلى الممارسات السياسية الديمقراطية، والقراءة النقدية التفكيكية. بينما تسعى القراءتين التكنوقراطية والديمقراطية، باعتبارهما العناصر الرئيسية المكونة للتفكير الرئيسي حول الحوكمة الرشيدة، إلى تقديم هذا الفكر كإطار فكري وسياسي مرجعي عالمي قابل للتطبيق في جميع المجتمعات، تسعى القراءة النقدية إلى كشف الفرضيات والدلالات الأيديولوجية الخاصة به. في هذا النص سيتم محاولة فحص الفرضيات والمكونات والمؤشرات المرتبطة بالقراءات الثلاث للحوكمة الرشيدة باستخدام الترتيبات المستمدة من أساليب البحث النوعي، وخاصة طريقة تحليل الخطاب النقدي.
خلاصه ماشینی:
وفي هذا السياق، يسعى المقال الحالي، بالاعتماد على نهج دلالي قائم على النصوص والاستفادة من الإجراءات المعرفية المتعلقة بوصف وتحليل المكونات المعنوية والهياكل الدلالية ومن خلال التأمل في الأسئلة التالية، إلى تكريس جهوده لاستكشاف إمكانيات وطبقات النظام الدلالي لخطاب الحوكمة الرشيدة: ما هي القراءات الرئيسية التي حددت التشكيل الخطابي المتعلق بتعاليم الحوكمة الرشيدة وشكلت الطبقات الأساسية التي تشكل النظام الدلالي لهذا الفكر، وما هي ميزاتها المميزة؟ ما هي المكونات التي أبرزتها وثبتتها كل قراءة من القراءات المتعددة التي تشكل النظام الدلالي وهيكل معاني خطاب الحوكمة الرشيدة، وما هي المكونات التي تم تهميشها واعتبارها غير مهمة؟ إلى أي مدى وكيف تعكس الاتجاهات والتفضيلات التنظيمية والفكرية للمؤسسات والمفكرين والباحثين الذين قدموا قراءات متعددة للحوكمة الرشيدة قراءتهم لهذا الفكر؟ خلفية البحث ظهرت فكرة الحوكمة الرشيدة الأولية كمجموعة من التعاليم الفكرية الإرشادية ذات الجوانب المعيارية والسياساتية بهدف إيجاد حلول للعقبات التي تعترض التنمية في البلدان النامية، لأول مرة في تقارير البنك الدولي في أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات.
(١٠:Gisselquist,ibid) إن ميل الأمم المتحدة والمؤسسات والمفكرين المرتبطين بها إلى وضع الأساس وتوسيع سردية سياسية وفي الوقت نفسه تعددية وديمقراطية للحوكمة الرشيدة جاء بالتأكيد في وقت وظروف مواتيين، حيث اهتمت هذه المنظمة والهيئات الإنمائية التابعة لها، ومن خلال التآزر والترابط بين تيارين فكريين وسياسيين - التنمية البشرية والتنمية المستدامة - بصورة جديدة من الوعي العالمي أو الضمير التنموي في صورة "خطاب التنمية البشرية المستدامة"، مما جعل التيار الرئيسي للتفكير وصنع السياسات التنموية مضطرًا إلى إعادة التفكير في الأسس النظرية والإرشادات الاستراتيجية والسياسية الخاصة به.