چکیده:
تشكل المعتقدات والقيم والاتجاهات العامة، كمجموعة من العناصر الدلالية المشتركة، جوهر وثقافة المجتمع. يتم تنظيم هذا النظام بشكل مترابط ومتفاعل على ثلاثة مستويات: صغير ومتوسط وكبير، نظرًا لتمتعه بالمصداقية والتأكيد الاجتماعي. هذه الأنظمة الفرعية الثلاثة للدلالة، من ناحية، تستقر وتخضع في نظام الثقافة المجتمعية الشامل باعتبارها مظلة فوق النظام الاجتماعي، ومن ناحية أخرى، تدخل إلى عقول وضمائر أفراد المجتمع وتستوعب من خلال عملية التنشئة الاجتماعية. من ناحية ثالثة، وفي ضوء التفاعلات بين الأشخاص والتبادلات السلوكية الواسعة والمستمرة، تترسب في الأنظمة والمستويات المؤسسية وتصبح جزءًا من المكونات التي تشكلها، ويتم إعادة إنتاجها بشكل متكرر ومستمر من خلال الأفعال والتواصلات المتنوعة في مختلف مجالات الحياة اليومية. يتفاعل نظامان معياريان مهمان وموجهان للأفعال في المجتمع الإسلامي، وهما الفقه والقانون (وبشكل جزئي الأخلاق)، بقوة مع هذه العناصر الدلالية الثلاثة، ويتأثران ببعضهما البعض، ويشكلان العالم الاجتماعي (بما في ذلك العناصر الدلالية والموضوعية) بشكل متشابك. بالنظر إلى العلاقة المتبادلة والجدلية بين هذه العناصر الثقافية، يحاول هذا المقال، في نطاقه المحدود، فحص وتحليل العلاقة بين الفقه والقانون (باعتباره الترجمة القانونية للفقه) كمجموعة من القواعد الاجتماعية التي توجه الأفعال الجوارحية (وبشكل غير مباشر الأفعال الباطنية) للفرد، من ناحية، والأفعال الاجتماعية والتفاعلات المؤسسية والتنظيمية من ناحية أخرى. الفقه والقانون هما تجسيد معياري للمعتقدات والقيم المقبولة، ويؤثران أيضًا بشكل متبادل في استمرارها وتأكيدها وتعزيزها وفعاليتها. منهج هذه الدراسة هو وثائقي في مرحلة الجمع، ونظري واستنباطي في مرحلة التحليل.
خلاصه ماشینی:
تجدر الإشارة إلى أن المقصود بالفقه في هذا التصور هو نظام تشريعي شامل يتمتع بقدرات متجددة، وليس بالضرورة مجموعة من الأحكام المستنبطة المنصوص عليها في الفصول الخاصة والمنعكسة في النصوص والمصادر الفقهية الموجودة) قد اهتم بجميع جوانب الحياة البشرية، سواء كانت فردية أو أسرية أو اجتماعية أو مادية أو غير مادية، بشكل مباشر وغير مباشر.
كما أن الفقه، لتأمين الأهداف وتوفير الضمانات اللازمة لتطبيق الأحكام والقوانين الاجتماعية، قد أمر بتشريع الحكومة الإسلامية التي تتمحور حول ولاية الفقيه بخصائصها ومهامها ورسالتها الخاصة، ومهد الطريق لنشر وتبليغ التعاليم الإلهية، وتنفيذ الأحكام، وإطلاق العنان للمواهب والقدرات الإنسانية، وتوسيع الأخلاق والروحانية في الحياة الفردية والاجتماعية، وتحقيق العدل والإنصاف، وإرساء الأمن والسلام، وتحقيق التنمية الشاملة، وتوفير الرفاهية والمرافق المتوافقة مع المعايير الأساسية للحياة، ومكافحة جميع أشكال الفساد والإفساد بشكل قاطع، وبشكل عام تهيئة الظروف لتحقيق حياة دينية طيبة باعتبارها مقدمة ضرورية لإعداد الأفراد بأقصى قدر ممكن للوصول إلى مقام القرب الإلهي وتحقيق السعادة الأخروية، فقد جعل هذه من أهم واجباته وأهدافه.
كما أن القانون الأساسي للجمهورية الإسلامية، مستوحى من الفقه، يلزم الحكومة في المادة الثالثة منه، بأن تستخدم جميع إمكانياتها لتحقيق الأهداف الثقافية والمعتقدية والتربوية المنشودة في المادة الثانية من هذا القانون، وذلك من خلال العمل على تحقيق الأمور التالية: أ) تهيئة بيئة مناسبة لنمو الفضائل الأخلاقية على أساس الإيمان والتقوى ومحاربة جميع مظاهر الفساد والتبذل؛ ب) رفع مستوى الوعي العام في جميع المجالات باستخدام الصحافة ووسائل الإعلام الجماعية وغيرها من الوسائل بشكل صحيح؛ ج) التعليم والتربية البدنية المجانيين للجميع في جميع المستويات وتسهيل وتعميم التعليم العالي؛ د) تعزيز روح البحث والتحري والابتكار في جميع المجالات العلمية والفنية والثقافية والإسلامية من خلال إنشاء مراكز البحوث وتشجيع الباحثين؛ هـ) توفير الحريات السياسية والاجتماعية في حدود القانون؛ و) مشاركة عامة الشعب في تحديد مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي؛ ز) إزالة التمييز الظالم وتوفير الفرص العادلة للجميع في جميع المجالات المادية والمعنوية؛ ح) ضمان الحقوق الشاملة للأفراد من الرجال والنساء وإنشاء أمن قضائي عادل للجميع والمساواة العامة أمام القانون؛ ط) تطوير وتعزيز الأخوة الإسلامية والتعاون العام بين جميع الناس؛ د) تنظيم السياسة الخارجية للبلاد على أساس معايير الإسلام، والالتزام الأخوي بجميع المسلمين ودعم المستضعفين في العالم بلا تحفظ.