چکیده:
بعد الثورة الإسلامية، تعطل نموذج التحديث على النمط الغربي ولم يحل محله نموذج آخر، وواجهت التنمية العلمية مشكلات سواء في "الفاعلية البشرية" أو في "الهياكل". والسبيل للخروج من هذا الوضع هو أن يقوم النخب الرسميون، مستلهمين من الإرادة الوطنية وبهدف إعادة توجيه التنمية العلمية كشرط للبقاء، بالتوجه نحو تعريف مهمة واستراتيجية التنمية العلمية في البلاد، والتحول في البرامج والمهام الوظيفية، وإعادة تصميم الهياكل والعمليات الإدارية وتحسين الأساليب. وهذا يتطلب رجوع النخب السياسيين الرسميين إلى الخطاب العلمي والمدني، وهو ما يستلزم بدوره اعتماد النهج العلمي في اتخاذ القرار، وتطوير قدرات صنع القرار ورسم السياسات، وتطوير بيئة تفاعلية أفقية وقابلة للمشاركة. يتم الاستفادة من إمكانات الخطاب العلمي من خلال الكوادر الخبيرة والنظم والجمعيات العلمية، والمنظمات غير الحكومية (NGOs) والمفكرين المستقلين، بينما تتحقق الاستفادة من إمكانات الخطاب المدني من خلال الرجوع إلى المواثيق الوطنية والقانونية، والمبادئ والقيم النابعة من الإرادة المشتركة لجميع أصحاب المصلحة، وبالاعتماد على الحكمة العامة، والعقلانية النقدية الثقافية، وكذلك الأفعال التواصلية. يجب صياغة ودراسة هذه المتطلبات في إطار مشروع بحثي على المستوى الوطني وفي كيان علمي. إن عملية التنمية العلمية بناءً على المنظور النسقي ترتبط بعلاقات متبادلة ومنظمة مع عمليات كثيرة، من بينها "ثقافة العلموية" التي يدرك فيها الناس قيمتهم الإنسانية، ويعودون إلى قدراتهم الداخلية، ويديرون حياتهم في ضوء التعقل، ويأخذون الحياة المادية بجدية، ويرجعون إلى الأساليب الدقيقة والتجريبية التفصيلية، ويرحبون بالشك وإعادة التفكير والنقد، ويعترفون بالحقوق والحريات. العملية الثانية الداعمة للتنمية العلمية هي هياكل الإدارة والتخطيط التي يجب أن تقوم على نموذج اتخاذ القرار العلمي، بالعقلانية النقدية المفتوحة، والتفاعلات الأفقية ومشاركة جميع أصحاب المصلحة وممثلي النظام العلمي. ويجب أن يكون اتخاذ القرار فيها مصوناً وبعيداً عن هيمنة الخطابات السياسية المذهبية على الخطابات العلمية والخبرية والمهنية. كما يجب أن تكون المنظمات بعيدة عن التصلب، وتمتلك القدرة على المرونة والديناميكية، وتكون متناغمة مع التغييرات والتحولات، وأن يتم الاعتراف بالنقد والابتكار فيها وتؤسس المساحات التنافسية بشكل مؤسسي. يجب أن تتمتع هذه الهياكل بالقدرة على تحمل المخاطر خاصة تجاه القطاعات غير الحكومية والهياكل غير الرسمية، كما يجب أن يكون تقديم التقارير والمساءلة تقليداً مؤسسياً فيها. إن المنظمات المناسبة لإدارة وتخطيط النظام العلمي في البلاد يجب أن تكون صغيرة وبسيطة وفعالة، مفتوحة وفي حالة تبادل معلومات مع البيئة، متعلمة وفي تجربة مستمرة، وأن تطغى القيادة العلمية فيها على القيادة الإدارية وألا يمتلك البيروقراطيون هيمنة خطابية على العلماء. أما العملية الثالثة اللازمة للتنمية العلمية فهي البيئة القانونية القائمة على حرية الفكر، والاعتقاد، والتعبير، والقلم والاتصالات، والحرية العلمية، والاستقلال الأكاديمي، ومشاركة القطاعات غير الحكومية، وانتخاب رؤساء الجامعات والمراكز البحثية، ومشاركة أعضاء هيئة التدريس، والتطوير الكمي والنوعي لمجالس الأمناء، والنشاط والتفاعل الحر لفاعلي الفكر والعلم والتكنولوجيا في نظام متعدد الوسائط، ودور ومشاركة ودعم الجمعيات العلمية والمنظمات غير الحكومية والاتحادات المهنية، ودعم الاستثمار والنشاط العلمي للقطاع الحكومي وسوق المتخصصين، وعرض وطلب السلع العلمية والفنية، وحق الملكية الفكرية، وقبول الطلاب بناءً على الكفاءات العلمية والفنية وبفرص تعليمية متساوية، وتوظيف هيئة التدريس بناءً على الضوابط المحددة من قبل الجامعات ومراكز التعليم العالي والبحثية نفسها أو نظام تمثيلها مثل المجلس المركزي للجامعات والمراكز البحثية. وتعد تنمية مؤسسات النظام العلمي المتطلب الرابع لدعم التنمية العلمية، ولتحقيق ذلك يجب تطوير مؤسسات القطاع غير الحكومي. يجب أن تتمتع المنظمات العلمية والبحثية بهيكل مرن وقابل للمشاركة والاقتراح، وأن يتم مأسسة تفويض السلطات فيها، وتعزيز مؤسسات تمثيل المجتمع العلمي والجمعيات والمنظمات غير الحكومية، وأن تُعتبر الجامعات مؤسسات مولدة للفكر وليس مجرد مؤسسات لتوفير التوظيف، وألا تتقلص وظائفها إلى الجوانب التعليمية فقط بل تنمو فيها وظائف البحث وإعادة إنتاج المعلومات والمعرفة الفنية وتقديم الخدمات الفنية، وتحسين نسبة الكادر العلمي إلى الكادر الإداري في الجامعات والمراكز البحثية وزيادة كفاءتها وإنتاجيتها. ومن العمليات النسقية الأخرى لتنمية العلم في البلاد: تطوير البنى التحتية والإمكانات والمعدات، تطوير تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، تطوير الموارد المالية والائتمانية، تطوير الموارد البشرية، وأخيراً تطوير المعايير والتقييم ونظام الاعتماد والرقابة الوطنية. تتطلب تنمية البنى التحتية بدورها إعادة تعريف المؤشرات الكمية والنوعية، ويتطلب تطوير هيكل تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات تفاعلاً إيجابياً مع عمليات العولمة والتعاون العلمي والتكنولوجي المتبادل على المستوى الإقليمي والدولي. كما يعد الاعتماد على الميزانية الحكومية من أهم نقاط الضعف في النظام العلمي للبلاد، والتي يجب معالجتها من خلال خلق تنوع وبدائل في الموارد المالية واتخاذ آليات لتأمين الدخل، بالتوازي مع زيادة حصة النظام العلمي من الاعتمادات الحكومية الداعمة وحصة ميزانية البحث والتطوير من الدخل القومي الإجمالي. وتتوقف تنمية الموارد البشرية على حل مشكلة هجرة الأدمغة، وجذب النخب، ودعم المواهب اللامعة، وإحياء المكانة والحقوق والرفاه المادي والمعنوي، والراحة الفكرية والأمن لأهل العلم والبحث والتكنولوجيا، والزيادة الكمية والنوعية لهيئة التدريس ورفع المؤشرات. أما تطوير المعايير والتقييم والرقابة فيتطلب إعادة تعريف "المعايير المرجعية" والمؤشرات والدلالات، واتخاذ آليات وأساليب جديدة للرقابة والتقييم والنقد والمراجعة، وشفافية المنظمات وهيكلها المساءل، ودور الهياكل غير الرسمية والاتحادات والجمعيات في عملية التقييم والرقابة، وإنشاء منظمة وطنية للاعتماد تتسم بالقابلية للمشاركة ومأسسة التقرير الشامل لأداء النظام العلمي في البلاد. بهذه الترتيبات النسقية، تظهر آثار التنمية العلمية في البلاد الوظيفية في تطوير أنواع وأساليب التعليم، والعدالة التعليمية وزيادة الوصول إليها، وتحديث جودة البرامج التعليمية وملاءمتها للاحتياجات الوطنية وعالم العمل، وأخيراً الفعالية التعليمية. كما تترك التنمية العلمية آثارها الوظيفية في التطوير البحثي وإعادة إنتاج المعرفة والتكنولوجيا الوطنية وتوجيهها نحو حل المشكلات والتطبيق الوطني والمزايا النسبية المحلية والإقليمية، وزيادة الحصة الوطنية في العلم والتكنولوجيا العالمية، وانتعاش سوق المتخصصين والسلع العلمية والفنية وخلق قيمة مضافة وطنية من خلال ذلك.
خلاصه ماشینی:
والآن يطرح السؤال: ما هي متطلبات إعادة تعريف الاستراتيجية وتطويرها لهدف التنمية العلمية، وإعادة رسم الرؤية المفاهيمية وإعادة صياغة بيان مهمة التنمية العلمية في البلاد؟ هنا تبرز الحاجة إلى نقطة انطلاق مستلهمة من الإرادة الوطنية لدى النخب الرسمية الراسمة للسياسات في النظام العلمي للبلاد (في وزارة العلوم والبحوث والتكنولوجيا) لكي يقوموا بمراجعة جذرية لطريقة أداء رسم السياسات؛ بمعنى أن يقوموا، من خلال اعتماد النهج والخطاب العلمي والمدني في اتخاذ القرار، بإيجاد قدرات جديدة لصنع القرار (Decision Making) ورسم السياسات (Policy Making) في بيئتهم التفاعلية، وبمستوى عالٍ من التشاركية، يستفيدون قدر الإمكان من القدرات الخطابية سواء في الكوادر الخبيرة داخل منظماتهم، أو في الأنظمة الأكاديمية والجامعات ومراكز التعليم العالي والبحث في البلاد، أو في سياق المجتمع باستخدام الحكمة الجماعية السائدة في الجمعيات العلمية والمنظمات غير الحكومية (NGOs) والمؤسسات المدنية والمفكرين والمتخصصين المستقلين (الذين يقيم بعضهم خارج البلاد)، وفي إطار مشروع بحثي، يهيئون أرضية يتم من خلالها، عبر مشاورات ديمقراطية عقلانية ونقدية وبناءً على نهج علمي (Scientific Approach) ومع أقصى قدر من المشاركة والتفاعل الأفقي بين الفاعلين والنخب الوطنية، إعادة تعريف بيان مهمة التنمية العلمية في البلاد واستراتيجيتها.
على سبيل المثال، يمكن الإشارة إلى الكلمات المفتاحية الجديدة للتنمية العلمية التي يتم التأكيد عليها في الخطاب الجديد، ومن أمثلتها ما يلي: - العقلانية النقدية والتواصلية والثقافية؛ - المرجعية العلمية؛ - الإدارة القائمة على المعرفة؛ - اقتصاد المعرفة؛ - تكنولوجيا المعلومات؛ - التفكير الابتكاري والتجديد؛ - الحرية العلمية؛ - المنظمات المرنة والمتعلمة؛ - التشاركية؛ - إعادة إنتاج المعرفة والتكنولوجيا الوطنية والمحلية؛ - المشاركة في المعرفة والتكنولوجيا العالمية؛ منذ سنوات وهناك تحولات هيكلية وخطابية جديرة بالاهتمام تجري في مجتمعنا وبالارتباط مع التحولات العالمية، والتي يجب عند إعادة صياغة بيان مهمة التنمية العلمية في البلاد، أخذ هذه التحولات بعين الاعتبار بجدية والاستفادة من قدراتها بشكل كامل، وهو ما يتطلب رجوع راسمِي سياسات النظام العلمي في البلاد إلى سياق المجتمع المدني والتفاعل معه.