چکیده:
تفترض الفلسفة السياسية المتمحورة حول الفضيلة، من أجل تحقيق السعادة الفردية والجماعية، التعامل مع بعض المقولات الاجتماعية. وفي سياق الفكر الفلسفي الإسلامي، تناول الفارابي في منظومته للفلسفة السياسية، بالإضافة إلى المدينة ورئاستها، الصداقة المدنية والعدالة والتعاون، وهذه المقولات الثلاث ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً. ويظهر تحليل الفكر السياسي للفارابي بأسلوب تحليل المحتوى الفلسفي أنه على الرغم من وجود الصداقة المدنية في جميع المدن، إلا أن نوع العلاقة الناشئة عن الصداقة المدنية يختلف في كل من المدن الفاضلة وغير الفاضلة. فالصداقة في أي مدينة هي صداقة قائمة على شيء ما (أمر محبوب) يؤدي في البداية إلى التعاون المدني، وفي النهاية يحدد شكل المدينة. ومن هذا المنطلق، فإن سؤال البحث الحالي هو: ما العلاقة التي تفرضها الصداقة المدنية لأعضاء المدينة، وخاصة بين الرئيس والأعضاء، في كل من المدن الفاضلة وغير الفاضلة؟ ومن خلال تحليل محتوى آثار الفارابي، ولا سيما كتابي «الآراء» و«السياسة»، يتضح أن نوع العلاقة الناشئة عن الصداقة المدنية في المدينة الفاضلة تفرض علاقة «استخدام»، بينما في المدن غير الفاضلة تفرض علاقة «استعمال أو استعباد» (عمل وأرق)، ولهذه الأنواع من العلاقات تبعات خاصة لتحقيق السعادة في كل مدينة.
خلاصه ماشینی:
ومن هذا المنطلق، فإن سؤال البحث الحالي هو: ما العلاقة التي تفرضها الصداقة المدنية لأعضاء تلك المدينة، ولا سيما بين الرئيس والأعضاء، في كل من المدن الفاضلة وغير الفاضلة؟ ومن خلال تحليل محتوى آثار الفارابي، وخاصة كتابي «الآراء» و«السياسة»، يتضح أن نوع العلاقة الناشئة عن الصداقة المدنية في المدينة الفاضلة تفرض علاقة «استخدام»، بينما تفرض في المدن غير الفاضلة علاقة «استعمال أو استعباد» (عمل وتعبيد).
وهذا البعد بعد تشكل الاجتماع قد ذُكر أيضاً في «تلخيص النواميس» بهذا الشكل، وهو أنه على سبيل المثال، عندما تتدمر مدينة بسبب أمور مثل السيل والعاصفة، وتنشأ من وسطها مدينة جديدة، فإن أهلها في بداية الأمر ينظرون إلى بعضهم البعض بميل ورغبة (هشاشت)(٣) ويقيمون بينهما أنساً وألفة؛ وبعد ذلك يقيمون التفاعلات الأخرى؛ أي يتوجهون أولاً إلى الأمور الضرورية ثم إلى ٣٢ الأمور الجميلة (الفارابي، ١٨٩٦ أ: ٥٢-٥١)، ومن هذا المنظور: «أجزاء المدينة وسلسلة مراتبها تؤلف وتترابط فيما بينها بواسطة المحبة، وبواسطة العدل ووظائف العدالة، تتقوى روابطها ويستمر ديمومتها» (الفارابي، ١٨٩٦ أ: ٥٢-٥١).
(٥) ولكن بالنظر إلى أن فلسفته السياسية تخضع للاشتراك اللفظي، يمكن طرح طريقة أخرى للتفكير في المباحث التي طرحها، وجعل فلسفته السياسية تطبيقية للحياة المعاصرة أيضاً رغم كونها متمحورة حول الفضيلة؛ فعلى سبيل المثال، التعاون والصداقة المدنية يتواجدان في جميع المدن الفاضلة وغير الفاضلة، إلا أن الصداقة المدنية في كل من هذه المدن لها لوازم ونتائج، وهذه اللوازم والنتائج من منظور فلسفي متمحور حول الحقيقة، 33 لم تعد مشمولة بالاشتراك اللفظي.