چکیده:
يُعد العلامة محمد باقر المجلسي من أكبر محييي الحديث الشيعي ومن المروجين المنقطعين النظير والناجحين لكلام الإمامية في مدرسة أصفهان الفكرية. وبصرف النظر عن الابتكارات والخدمات الفقهية والحديثية لهذا العالم الشيعي، فإن منظومته المعرفية متصلة بإنجازات كلامية ودينية خالدة. ولكن لسوء الحظ، فإن هذا الجانب من فكر المجلسي قد نال اهتماماً أقل من قبل الباحثين مقارنة بجانبه الروائي والحديثي. وبالنظر إلى هذه الفجوة البحثية، تسعى هذه الورقة، مستلهمة من آراء وأسس العلامة المجلسي الفكرية والمنهجية، إلى إعادة بناء وتقديم نموذج لفهم الدين في فكره الكلامي. وتعتبر إعادة القراءة والتحليل النقدي للمكونات والعناصر المعرفية لهذا النموذج، مثل: الأخبارية وتقديم النقل على العقل، والاهتمام بالبارادايم والفضاء المحيط بصدور النص والكلام، وضرورة الوفاء للنص مع نهج أدنى في التأويل كمنهج، والواقعية العرفية للغة الدين، ومبدأ التحكم الواعي في الافتراضات المسبقة في عملية الفهم، من أهم نتائج هذا البحث. ولكن بما أن نمط وأسلوب الأخبارية عند المجلسي لم يكن خالياً من القصور المنهجي، فقد اقترح الكاتب وبيّن اعتماد النهج البرهاني ومبدأ حجية واعتبار العقل كأحد المكونات الأساسية في منطق فهم الدين، وذلك لرفع هذا النقص وتكملة وتنقيح نموذجه الإدراكي.
خلاصه ماشینی:
وعلى هذا الأساس، فإن المسألة الرئيسية لهذا البحث هي إعادة بناء وتقديم نموذج فهم الدين بناءً على آراء ونظريات العلامة المجلسي، وذلك من خلال استنباط وتحليل الأصول والمبادئ المعرفية والمنهجية لديه، وبنهج تحليلي - نقدي.
(المجلسي، رسالة في الحكماء والأصوليين والصوفية، ٢٦٠-٢٦١) وكما يتضح من العبارة أعلاه، فإن الرجوع إلى العقل أو اتخاذ التأويل كمنهج تفسيري ليس له مكان في نموذج فهم الدين عند المجلسي، ومع وجود الكتاب والسنة، لن تكون هناك حاجة أخرى للعقل والإجماع وتأويل ظواهر الأخبار والروايات؛ وهذه الحجية المحضة للأخبار وتقديم النقل على العقل، تشكل بحد ذاتها أحد أصول ومكونات نموذج فهم الدين في فكر العلامة المجلسي.
كما أنه في المسألة الكلامية «المعاد الجسماني» -والتي تُعد أيضاً من الأصول الضرورية لدين الإسلام ومن المسائل التحقيقية والتعقلية- اعتبر أن سبب الاعتقاد بها هو الآيات الصريحة والروايات القطعية المتواترة، وكتب مؤكداً على رؤيته العامة في تقديم النقل على العقل: «الأحوط والأولى [ترجيحاً] هو أن نصدق بما ورد تواتراً في النصوص [القرآنية والروائية] من ثبوت المعاد الجسماني وخصائصه كما هي مطروحة في هذه النصوص، ونتجنب التعمق في مسائل من هذا القبيل لم نُكلف بها؛ لأننا قد نصل إلى أشياء لا تطابق الواقع، وفي هذه الحالة لن يكون عذرنا مقبولاً من الناحية الشرعية» (المصدر نفسه، بحار الأنوار، ٦/ ٣٢١).
وبناءً على ذلك، فإن الاهتمام بهذه العناصر البيئية وأسباب صدور النص يعد بحد ذاته أحد أصول وشروط فهم الدين؛ لدرجة أن بعض الباحثين الإسلاميين المحدثين اعتبروا عدم الاهتمام بهذا الأصل سبباً في وقوع خطأ منهجي وعلمي في تفسير القرآن وفهم مقاصد الآيات والروايات (المصدر نفسه، ١٤٥-١٤٦).