چکیده:
لقد كانت الحياة السياسية والحياة الدنيوية والأخروية للمسلمين ممتزجة دائمًا بالحكمة والشريعة، وكان تحديد النسبة بينهما شاغلًا للفلاسفة المسلمين، ومن بينهم صدر المتألهين. وكما هو حال سائر الفلاسفة الإسلاميين، يلجأ صدرا لتبرير ضرورات الحياة الدنيوية والحياة السياسية وتنظيمها وإدارتها إلى كل من الحكمة والشريعة، ويخصص لكل منهما مكانة ودورًا ووظيفة محددة. يتناول هذا المقال في المنظومة الفلسفية لصدر المتألهين البحث في نسبة الحكمة والشريعة، ويدرس تقدم الحكمة على الشريعة من ثلاثة جوانب: أولاً، ملاحظة تقدم المعارف الأساسية والنظرية على الأحكام الجزئية للشريعة؛ ثانياً، الموضوعات العامة والأساسية التي يبدأ الفلاسفة تأملاتهم منها؛ ثالثاً، هيمنة الحكمة والمعرفة الحكيمة للحكيم على الحياة الدنيوية دون التقيد بزمان أو مكان محدد، في حين أن الشريعة مقيدة بزمان وظروف خاصة. إن تأملات الفيلسوف تهيمن دائمًا على تفاصيل الحياة، ولهذا السبب في المنظومة الفلسفية لصدر المتألهين، يكون ماهية الحياة وسببها محل تأمل الفيلسوف، بينما تُترك أحكامها الجزئية للفقيه.
خلاصه ماشینی:
(المصدر نفسه) والآن، هل يمكن الاعتقاد بأن الفلسفة السياسية في الحكمة المتعالية يتضاءل حضورها في الحياة الاجتماعية إلى حد أن الفيلسوف يترك تأملاته في الحياة الاجتماعية للفقيه، ولا يشغل نفسه بالأمور الدنيوية، وخاصة هموم ومشاكل الحياة الاجتماعية، ويفضل العزلة على الحضور الفعال بالتأمل في مجال الحياة الاجتماعية، ويترك أمر تدبير وتنظيم وترتيب الحياة الاجتماعية للفقيه؟ أم أن الأمر ليس كذلك، بل إن كلاً منهما يجعل مستوى ومرتبة من الحياة الاجتماعية والسياسية ذات معنى ويضمن استمرارها، ويكون كل منهما مكملاً للآخر، وإن كان لأحدهما تقدم رتبي وذاتي على الآخر؟ لذا، فإن هذا البحث، ضمن تبيين وتوضيح نوع النسبة بين الحكمة والشريعة والمكانة التي يحظى بها كل منهما في نظرية الحياة الاجتماعية في الحكمة المتعالية، يمثل رداً على أولئك الذين يزعمون أن صدر المتألهين أبدى اهتماماً أقل بالمباحث الدنيوية والحياة السياسية، وأنه مع وجود الشريعة، لم يرَ حاجة كبيرة للدخول في المباحث والتأملات المتعلقة بالحياة الدنيوية والحياة السياسية.
وبناءً على مبانيه الأنطولوجية ونظرته المراتبية للحياة التي تبدأ من المحسوسات الدنيوية وصولاً إلى عالم المعقولات والعالم الأخروي، ومع مراعاة الطبيعة المدنية للإنسان وميله الفطري نحو الكمال، يرى من الضروري أن تكون الحياة الدنيوية والاجتماع السياسي للإنسان بطريقة يقدم لها تبييناً وتوجيهاً فلسفياً، بحيث يكون فيها أولاً: تصميم علم مدني واجتماعي يكون، في الوقت الذي يرتبط فيه ارتباطاً مباشراً بالعلوم الحقيقية للعالم العقلي، مدبراً للحياة الجماعية وممهداً لنمو الاستعدادات والكمالات، وينشر القيم والفضائل في المجتمع، ويكون محتاجاً إلى القانون في تنظيم العلاقات الجماعية، لذا يجب عليه أن يحدد مصدراً للقانون في منظومته الفلسفية، وإن كان العقل الفلسفي نفسه يقتضي ضرورة وجود القانون.