چکیده:
للعرفان أبعاد مختلفة، أهمها البعد المعرفي والطريقي. إن دراسة الأبعاد المختلفة للعرفان قد أدت إلى ظهور علوم متعددة يمكن تسميتها بـ «العلوم العرفانية». وتتمثل أهم الفروع العلمية للعرفان في التراث الإسلامي في العرفان النظري والعرفان العملي. العرفان النظري هو نتاج التأمل في المكتسبات السلوكية والشهودية للعرفاء، أما العرفان العملي فهو علم السلوك والطريقة. ومع ظهور وتوسع الفلسفات المضافة في الغرب التي تعتمد على التغريب ودراسة الأمور من الخارج، خضع ظاهرة العرفان أيضاً للتأمل والتدقيق العقلي الخارجي، وظهر علم يسمى «فلسفة العرفان». تبحث فلسفة العرفان في ماهية وكيفية التجربة العرفانية وأحكامها. أما البحث والاستقصاء حول ماهية وكيفية علم العرفان النظري والأسئلة النظرية المتعلقة به - مثل البحث في موضوعه، ومبادئه، ومسائله، ومنهجه، وبنيته - فيمكن أن يشكل موضوع علم مستقل نسميه «فلسفة العرفان النظري». لقد وردت مثل هذه المناقشات تقليدياً وبإيجاز في مقدمات بعض الكتب ذات الصلة؛ ولكن توسع هذا العلم وطرح الأسئلة والشكوك الجوهرية حول ماهيته ومبادئه وفرضياته يستوجب معالجته بشكل مستقل. في هذا المقال، سنستعرض بإيجاز بعض الخطوط العريضة والأهم لفلسفة العرفان النظري.
خلاصه ماشینی:
ومع ذلك، بما أن الحديث يدور عن علم نظامي، وليس مجرد وصف للتجارب العرفانية، فليس بالضرورة أن كل تقليد عرفاني يتمتع بعلم العرفان النظري؛ تمامًا كما أنه في التقليد العرفاني الإسلامي لم يكن العرفان النظري موجودًا منذ البداية.
ومن هذا المنطلق، فإن موضوع علم العرفان النظري هو مفهوم يحكي عن نفس موضوع الوعي العرفاني والمتعلق النهائي للشهود العرفاني الذي هو حقيقة الوجود.
كما يكتب آشتياني أيضاً: «موضوع هذا العلم هو وجود الحق تعالى بـ اعتبار ارتباطه بالخلق، لا حقيقة الوجود والكيان المحضة بذاتها؛ فبهذا الاعتبار أصل الحقيقة هو الكنز المخفي وغيب الغيوب الذي لا يقبل الإشارة العقلية ولا يمكن إدراكه أو مشاهدة ذاته الصريحة»، (شرح مقدمة قیصری بر فصوص الحکم، ص 101) طبق هذا البيان، فإن الوجود على الإطلاق ليس موضوع العرفان، بل هو موضوع العرفان باعتبار خاص.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن موضوع العرفان النظري والميتافيزيقا أو الفلسفة الأولى هو الوجود بما هو وجود، أو الموجود بما هو موجود، أو الواقع ونفس الأمر.
في نصوص العرفان النظري، بعض المباحث المذكورة - مثل البحث في الأسماء والصفات وبشكل عام لوازم وجود الحق - هي من مسائل العرفان النظري وليست من مبادئه، بمعنى أن الكثير من هذه الحقائق يتم تعريفها وتثبيتها ضمن المباحث العرفانية، وليس أنها تُؤخذ من علم آخر أو تُعتبر مسلمة بالاعتماد على الشهود.
(رسائل قيصري، رسالة التوحيد والنبوة والولاية، ص 6) قد يُظن أن العرفان النظري لا يحتاج إلا إلى البديهيات والشهودات العرفانية، ومن ثم فهو لا يعتمد على أي علم آخر.
محور مباحث العرفان النظري هو الوجود (الأنطولوجيا)؛ ولكن في ضوء هذا الوجود، تتشكل أيضاً المعرفة (الإبستمولوجيا)، والأنثروبولوجيا (علم الإنسان)، والدينانية العرفانية.