چکیده:
لقد شهد التفسير العلمي ازدهاراً كبيراً بالتزامن مع تعرف المسلمين على معارف وعلوم المجتمعات الأخرى والنمو والازدهار العلمي في القرنين الثالث والرابع. كان استخدام الإنجازات العلمية البشرية بهدف إثبات إعجاز القرآن وفهم الآيات الإلهية بشكل أفضل أمراً مقبولاً بين المسلمين، وقد عمل العديد من العلماء والمفسرين المسلمين بهذا النهج. يُعد السيد مرتضى (355-435 هـ.ق) أحد قمم الفقه والكلام والتفسير والأدب الشيعي. وهو عالم عقلاني يتبع مدرسة أصالة العقل. ففي نظره، العقل هو الأساس والمعيار للمعرفة وإدراك العالم. إن تمسك السيد مرتضى بالنهج العقلي في الدين بلغ حداً أنه لا يسمح بأي شك في رفض أي قضية أو عقيدة دينية تتعارض مع الدليل العقلي القطعي. وفي نظره، للعقل مكانة تشبه الوحي، لدرجة أنه يمكن القول إن الله يتحدث إلينا من خلال الأدلة العقلية ويرشدنا إلى الحقائق. ومن نتائج العقلانية عند السيد مرتضى الالتزام بالإنجازات القطعية والمسلم بها في العلوم التجريبية لفهم آيات القرآن. ويمكن اعتباره أحد المؤمنين بالتفسير العلمي بمعناه المعتدل، الذي استفاد من الإنجازات العلمية في عصره لفهم الآيات والروايات. وبشكل أساسي، كان أحد معاييره في ضرورة تأويل رواية أو آية هو عدم تطابقها مع القواعد التي كانت تُعتبر مسلمة من وجهة نظر العقل والعلم في عصره.
خلاصه ماشینی:
com مقدمه خلافاً للتصور الشائع، فإن التفسير العلمي في مجال تفسير القرآن ليس مرتبطاً بالعصور الحديثة وتعرف المسلمين على العلوم الجديدة، بل كان له انتشار واسع في القرنين الثالث والرابع وحتى قبل ذلك.
وقد قال أمين الخولي في تعريف هذا النوع من التفسير: «التفسير العلمي هو التفسير الذي تسود فيه المصطلحات العلمية على عبارات القرآن، ويسعى المفسر فيه إلى استخراج العلوم المختلفة والنظريات الفلسفية من القرآن» (أمين الخولي، 1986 م: 782).
ولهذا السبب، سعى المفسرون والعلماء المسلمون، لا سيما منذ عصر تعرف المسلمين على علوم الأمم الأخرى والازدهار العلمي من القرن الثالث فصاعداً، دائماً إلى الاستفادة من مختلف العلوم البشرية، بما في ذلك العلوم التجريبية التي تُستخدم في تفسير ظواهر الوجود، في فهم آيات القرآن بشكل عام، والآيات المتعلقة بعالم التكوين بشكل خاص.
بناءً على ما قيل، فإن التفسير العلمي بمعنى استخدام الاكتشافات العلمية البشرية القطعية في فهم آيات القرآن أو إثبات إعجازها ومنشئها الماورائي، كان أمراً شائعاً ومقبولاً بين العلماء المسلمين.
ومن ذلك، في توجيهه لخبر رد الشمس، يقول مستنداً إلى علم الهيئة في عصره: «إن الأدلة الصحيحة والواضحة تدل على أن الفلك وما فيه مثل القمر والشمس والنجوم لا تملك حركة من ذاتها، والحركة ليست طبيعية ولا ذاتية لها، بل إن الله هو الذي أحدث هذه الحركة ويتصرف فيها بمشيئته، وقد قدمنا أدلة صحة هذا الرأي بشكل كامل في كثير من كتبنا» (سيد مرتضى، 3731 ق، ج 2: 243).
ومن بين الحالات العديدة التي استند فيها سيد مرتضى إلى المكتسبات العلمية في عصره لفهم آيات القرآن، هو نقده لرأي أبي علي الجبائي في معنى الآية «الّذی جعل لکم الأرض فراشا و السّماء بناء» (البقرة: 22) الذي طرحه.