چکیده:
مع دخول النظام الرأسمالي والصناعة المصرفية القائمة على الفائدة إلى المجال الاقتصادي للدول الإسلامية، قدم العلماء المسلمون نظريات مختلفة للحد من نطاق حرمة الربا من أجل إيجاد توافق بين هذا النظام وحكم حرمة الربا، وقدموا أدلة لإثبات نظرياتهم. ومن أهم الحجج التي استند إليها واضعو هذه النظريات هو الادعاء بأن حرمة الربا تقتصر على الربا الشائع في العصر الجاهلي وزمن نزول الوحي. ويعتقد منظرو الربا والفائدة أن جميع آيات الربا تشير إلى الربا الشائع في عصر التشريع (الربا الجاهلي)، وبالتالي فإن أي رأي حول آيات الربا يتوقف على المعرفة الدقيقة والصحيحة للربا الجاهلي. فرضية البحث هي: «الربا الجاهلي من الناحية القانونية كان يتمثل أحياناً في زيادة مبلغ الدين مقابل تمديد موعد استحقاقه، وأحياناً أخرى في أخذ زيادة مقابل منح القرض؛ ومن حيث التطبيق كان أحياناً للقروض الاستهلاكية وأحياناً للقروض الاستثمارية، ومن حيث المعدل كان يبدأ من معدل فائدة منخفض ويصل في بعض الحالات إلى مائة بالمائة (مضاعفة رأس المال والدين مرتين)». لقد كان الربا في العصر الجاهلي وبالتزامن مع نزول الوحي شائعاً بين العرب بطرق مختلفة، مما يجعل تحديد هذه الطرق ضرورة قصوى في تفسير الآيات والأحاديث المتعلقة بالربا، وبالتالي لاستنباط الأحكام الشرعية منها.
خلاصه ماشینی:
كما يعد ابن رشد أيضاً من الذين يحصرون الربا الجاهلي في ربا تمديد مهلة سداد الدين ويقول: «الربا الجاهلي كان في الديون، بهذه الصورة أن شخصاً كان له طلب على آخر، وعندما يحين موعد استحقاقه، يقول الدائن للمدين: هل ستدفع ديني أم ستضيف عليه؟ فإذا دفع، أخذ الدائن حقه، وإذا لم يدفع، أضاف مقداراً على الدين وأعطاه مهلة أطول، وبسبب هذا العمل كان يُسمى رباويّاً عند العرب في ذلك الوقت، حتى نزلت آيات تحريم الربا» (ابن رشد، 1408ق.
يقسم الطنطاوي في تفسير الآيات 175 إلى 181 من سورة البقرة، الربا إلى نوعين: ربا النسيئة وربا الفضل، ويقول: «لم يكن العرب في الجاهلية يعرفون رباً غير ربا النسيئة (قرض مشروط بالزيادة) لم يكونوا يعرفونه، وهو الربا المتعارف عليه في يومنا هذا، وقد قال ابن عباس في ذلك: إن العرب كانوا يضعون المال تحت تصرف غيرهم على شكل قرض، وكانوا يتسلمون مبلغاً معيناً كل شهر كربح وفائدة، بينما يبقى أصل المال كما هو» (طنطاوي، ب.
وقد نُقل عن الشافعي أن رأي ابن عباس في عدم حرمة الربا المعاملي كان هو رأي أهل مكة، وذلك لأن أهل مكة كانوا يمارسون التجارة بطريقة تجعل حرمة الربا المعاملي، كانت تجعل ذلك النوع من المعاملات محدوداً وضيقاً، ولذلك ذهبوا إلى عدم حرمته لكي يتمكنوا من التعامل بتلك الطريقة بسهولة، وبالتأكيد قد وصلهم حديث النبي (ص) القائل بحرمة ربا الفضل (لا ربا الا فی النسيئه)، لكنهم حملوه على الكراهة (السبكي، بلا تاريخ، ج10، ص38).