چکیده:
"كانت"، مع إدراكه للصعوبات التي أحدثتها الإبستمولوجيا العقلانية الدينية وما تبعها من الإبستمولوجيا التجريبية الدينية، اتخذ مساراً جديداً في الفلسفة؛ فبدلاً من البدء من منهج الحصول على معرفة يقينية، بدأ من إمكانية المعرفة اليقينية. لقد صرف نظره عن البحث في منهج المعرفة اليقينية الذي كان محور اهتمام العقلانيين الدينيين، ونتيجة لذلك، تجاوز حدود الإبستمولوجيا وانتقل بدلاً من ذلك إلى البحث عن تأسيس أساس للإبستمولوجيا، وأنجز هذه المهمة باستخدام المنهج المتعالي. إن المنهج المتعالي، الذي جعل من معالجة الشروط القبلية لإمكانية المعرفة اليقينية محور بحثه بشكل عام، وعلى الرغم من أنه عالج أوجه القصور الإبستمولوجية، إلا أنه كان يعاني بدوره من نقاط ضعف أثارت اعتراضات أتباع كانت فوراً، مما جعلهم ينتهكون العهد رغم وفائهم له، ويضعون مسافة بينهم وبينه رغم قربهم منه. قام "فيشته" بتحويل المنهج المتعالي إلى ديالكتيك، بينما قام "شوبنهاور" بهدم منهج كانت المتعالي من خلال العودة مجدداً إلى باركلي. يتناول هذا المقال كيفية انتقال شوبنهاور من المنهج المتعالي لكانت، ويوضح أنه على الرغم من قبول شوبنهاور للشروط المتعالية لكانت، إلا أنه يعارض الحجج المتعالية لكانت -التي يدعي كانت أنه استمدها من مصادر الذات المتعالية المحضة- كما أنه يتحدى أيضاً الشيء في ذاته وموضوع التمثيل، وفي النهاية يختار أسلوب باركلي المباشر في المثالية التجريبية.
خلاصه ماشینی:
» (Ibid, W: 452-453) ولكن ما هو مقصد شوپنهاور من منهج كانت غير المباشر والتأملي، وما هي العيوب التي يحملها هذا المنهج والتي ضايقت شوپنهاور وأجبرته على العدول عنه؟ لقد استند كانت في تبيين مقاصده الفلسفية إلى المنهج المتعالي، ورغم أنه وصف منهجه في مناسبات مختلفة، إلا أنه يجب البحث عن جوهر كلامه في مقطع مهم من كتاب نقد العقل المحض تحت عنوان «جهاز جميع مبادئ الفهم المحض» البحث: «المبادئ القبلية لم تُسمَّ بهذا الاسم فقط لأنها تتضمن أسس الأحكام الأخرى في ذاتها، بل لأنها هي نفسها لا تقوم على أسس معارف أسمى وأعم؛ وهذا أيضاً وجه هذه التسمية.
(Ibid, B126/ A93-4) وعندما يقارن كانت منهج الرياضيات بالمنهج الفلسفي، فإنه يشير إلى ميزة المنهج المتعالي: «إن العقل المحض يقيم مبادئ موثوقة من خلال مفاهيم الفهم، ولكن ليس أبداً بشكل مباشر من المفاهيم وحدها، بل دائماً وبشكل غير مباشر فقط، من خلال علاقة هذه المفاهيم بشيء يمتلك إمكانية احتمالية كلياً؛ أي التجربة الممكنة.
بـ في نظره، لم يضع كانت الشيء في ذاته قط موضوعاً للبحث المباشر ولم يقدم عنه توضيحاً جلياً، بل كان دائماً يتناول الأمر بطريقة غير مباشرة وتحت غطاء الظاهرة، واستنتج أن الظاهرة أو العالم المرئي يجب أن يكون له أساس غير ظاهر لا ينتمي بأي حال من الأحوال إلى التجربة الممكنة؛ فالحس ليس لديه القدرة على التلقي المباشر للشيء في ذاته، والمفاهيم المحضة لا تُستخدم إلا لتأليف الإدراكات الحسية، لذا فإن الشيء في ذاته هو مجهول مطلق لا يمكن معرفة شيء عنه، فكيف يمكن إثباته؟ لا يتخلى كانت عن الشيء في ذاته رغم كل الصعوبات، لأنه إذا لم يكن موجوداً فلن تعمل جهاز المعرفة.