چکیده:
لقد كان للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله، بالتزامن والموازاة مع تلاوة القرآن وقراءته على الناس، اهتمام كبير بكتابة وجمع وتدوين القرآن في مجموعة مدونة ومنظمة تسمى «المصحف». ومن هذا المنطلق، كان معلمو وقراء القرآن يروون الصيغة الكتابية للقرآن جنباً إلى جنب مع صيغته القرائية (الشفهية). وبذلك، تشكل أحد علوم القرآن تحت عنوان علم «رسم المصحف» الذي يبحث ويحلل قواعد الكتابة وآداب تدوين القرآن. إن سبب اختلاف رسم الخط لبعض كلمات القرآن عن القراءة المشهورة، وجواز تغيير وتحويل رسم الخط بهدف تسهيل تعليم ونشر القرآن، يعد من أهم المواضيع والمسائل في علم «رسم المصحف» منذ القرون الإسلامية الأولى. يسعى هذا البحث، من خلال مراجعة الآراء المختلفة حول رسم المصحف، إلى توضيح وتحليل الروايات والآراء التي تعتبر الاختلافات الموجودة في رسم خط القرآن ناتجة عن خطأ الكتبة للوحي أو كون الخط العربي ناقصاً وبدائياً، وإثبات عدم صحتها.
خلاصه ماشینی:
بناءً على تقرير ابن نديم5، فإن أول الرسائل التي دُوّنت في رسم المصحف هي كما يلي: -الکتب المؤلفة فی مقطوع القرآن و موصوله؛ وفي هذا الموضوع، كان عبد الله بن عامر يحصبي (ت 811 ق)، وحمزة بن حبيب الزيات الكوفي، والكسائي أصحاب رسائل.
إن الابتعاد التدريجي للمسلمين عن النظام التعليمي للقرآن الذي أسسه الرسول الأكرم صلّی اللّه علیه و اله، ومقارنة مستوى استخدام هذا الخط بالخطوط الأخرى في تلبية الاحتياجات المتزايدة والمعقدة للمسلمين في القرون التالية، كانا عملين مهمين سببا اعتقاد الكثيرين بأن الخط الكوفي ناقص وغير فعال للغاية؛ في حين أن الخط الكوفي، بسبب عدم وجود النقط والإعراب، يكون غير قابل للقراءة لأولئك الذين لديهم معرفة بالكتابة ولكنهم قد تعلموا القرآن مسبقاً بشكل تدريجي، آية بآية وسورة بسورة، عبر الطريقة السمعية-اللفظية، وهذا الأمر يساعد كثيراً في مراعاة الترتيب في تعلم أركان تعليم القرآن وتقويتها، وهي: الاستماع (الإنصات)، وتقوية الذاكرة السمعية، والتكرار، وحمل القرآن في القلب، والكتابة والقراءة منه، وتصريف الكلمات، وتصريف الآيات، وتصريف السور؛ وعندما ينظر متعلم القرآن إلى الصفحة المكتوبة من القرآن، فإنه في الواقع يعود للتلاوة بالاستناد والاعتماد على تعليمه السمعي.
1 في سياق استكمال ونقد هذه النظرية يمكن القول: أولاً، إن القرآن في عهد الرسالة قد كُتب بناءً على قراءة رسول الله صلّی اللّه علیه و اله التي كانت متواترة بين الصحابة والتابعين وجمهور المسلمين وما زالت؛ وهذه القراءة في تلك الفترة لم يكن لها اسم سوى «القرآن»، ولم تُسجل باسم شخص أو قبيلة أو جماعة أو قوم معين؛ ومن النصف الثاني من القرن الأول الهجري، طُرحت تدريجياً مصطلحات مثل «قراءة العامة»2، «قراءة الناس»3، «قراءة الجمهور»4، «القراءة المجمع عليها»5 و«القراءة المتواترة» في مقابل القراءات المختلفة، لكي يتم تمييز أصل القرآن عن قراءات القراء.