چکیده:
في تاريخ الأندلس، وجدت شخصيات وأسر مشهورة تركت آثاراً متفاوتة في مصير هذه الأرض. إحدى هذه الأسر هي بني عامر، الذين ظهروا بشكل جدي على الساحة السياسية في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري، عندما كانت الدولة الأموية قد مرت بفترة من القوة والعظمة، وسرعان ما تولوا زمام الأمور في هذا البلد. ثلاثة من أفراد هذه الأسرة شغلوا منصب الحجاب لأكثر من ثلاثة عقود، وكانوا حكاماً مطلقين للأندلس، بينما لم يكن للخليفة الأموي أي تدخل في إدارة البلاد تحت وطأة سيطرتهم. ومع ذلك، فإن عوامل متنوعة حولت هذه السلطة إلى انحطاط، ومن بينها الاستبداد بالرأي في السياسة الداخلية، والتهور في السياسة الخارجية، وتجاهل قوة العناصر الأساسية للحكومة. ومع ذلك، تمكن العامريون وبعض التابعين لهم، بعد تدمير قوتهم السياسية في الحكومة المركزية، من حكم بعض مناطق الأندلس لفترة وجيزة كملوك طوائف، ولكن بسبب ضعفهم السياسي والعسكري، اندمجوا قريباً في إمارات أكثر قوة.
خلاصه ماشینی:
وقد اكتسب أبناء عبد الملك مكانة تدريجية في قرطبة لدى الأمراء المروانيين، ومن بينهم أبو عامر محمد بن وليد الذي نُسبت إليه أسرة بني عامر، وابنه عامر الذي تولى إمارة بعض أعمال الأندلس وتوفي في قرطبة.
وسعى محمد بن أبي عامر إلى التقرب من جعفر المصحفي الحاجب أكثر فأكثر وكسب ثقته، وقد نال تقرباً أكبر منه من خلال تنفيذ رغبات وأوامر المستنصر في المغرب (ابن عذاري، 852/2؛ التلمساني، 78/4)، واستمر المستنصر في إسناد مسؤوليات أهم إليه حتى وفاته.
وفي عام 363 هجري، كُلّف محمد بأخذ البيعة لهشام -ابن الخليفة- (ابن عذاري، 952/2)، ثم أُسندت إليه مهمة بناء قصر في غرب قرطبة كان المستنصر ينوي نقل دار الملك إليه.
وبعد عام واحد، عندما تقدم ابن أبي عامر في معركته الثالثة برفقة أبي تمام غالب حتى مدينة شلمنقة1 (سالامانكا)، جعله هشام المؤيد يشغل منصب "ذو الوزارتين" شريكاً لأبي تمام غالب، وبعد فترة وجيزة، وعقب عزل المصحفي الحاجب، أسند إليه منصب الحجاب (ابن عذاري، 862/2؛ فتح بن خاقان، 4-8؛ ابن بسام، 35/1؛ التلمساني، 421/2).
ركز المنصور منذ ذلك الوقت جهوده على القتال ضد المسيحيين وقمع معارضيه، وحتى عام 383 هجري، نظم حوالي أربعين حرباً أخرى، قضى خلالها على عدد من معارضيه، ومن بينهم ابنه عبد الله الذي فر إلى مسيحيي الشمال بعد خلاف مع والده، ولكنه قُتل على يد جيوش المنصور خلال إحدى المعارك (ابن عذاري، 392/3).
وفي نهاية المطاف، توفي محمد بن أبي عامر في رمضان من عام 393 هجري بينما كان عازماً على القتال مع مسيحيي الشمال، وتوفي بسبب المرض ودُفن في مدينة السالم (ابن ابار، الحلة السيراء، 151/1؛ ابن عذاري، 203/2؛ ابن سعيد، 791/2).