چکیده:
الحيث التفاتي للإدراك يعني أن يكون الإدراك مضافاً إلى شيء حقيقي، وليس اعتبارياً، إلى مدرك مغاير لنفسه. يعتقد أنصار الحيث التفاتي أن الحيث التفاتي هو سمة لا تنفصل عن جميع إدراكات الإنسان، سواء كانت حسية، أو خيالية، أو عقلية، وحتى إدراكه لذاته. وذلك لأنهم يعتبرون بداية جميع إدراكات الإنسان هي الإدراك الحسي، والإدراك الحسي مبني على الحيث التفاتي. يرى ابن سينا أن الإدراك الحسي له حيث تفاتي وأنه مضاف إلى المعلوم بالعرض، لكنه لا يعتبر هذه الخاصية سمة لا تنفصل عن كل نوع من أنواع الإدراك. ففي نظره، يمكن تحقق الإدراك بدون الحيث التفاتي وبدون الارتباط بالمعلوم بالعرض. وهو يعتبر العلم بالذات (بناءً على نظرية الإنسان المعلق في الفضاء) نموذجاً للإدراك الذي لا يقوم على الحيث التفاتي والارتباط بالمعلوم بالعرض، بل يقوم على مجردة مدركه. وبالإضافة إلى العلم بالذات، فإنه في بعض مراتب العلم بغير الذات، مثل الإدراك العقلي والرؤيا الصادقة، لا يرى علم الإنسان متوقفاً على الارتباط بالمعلوم بالعرض. هو يرى العلم كصفة نفسانية ذات إضافة، لكنه يرى كون العلم إضافياً أمراً عرضياً وليس ذاتياً. وفي نظره، فإن ما هو ذاتي في العلم هو التجرد من المادة وليس الحيث التفاتي. وعلى عكس ابن سينا، يعتقد الكاتب أن قيام الإدراك ليس فقط على أمر سلبي مثل التجرد من المادة، بل على الحيث التفاتي نفسه. ويبدو أن إدراك الذات يتعارض ظاهرياً مع هذا القول، لأنه في إدراك الذات، يكون المدرِك هو نفسه المدرَك ولا توجد إضافة حقيقية بينهما، ولكن من خلال التأمل الأعمق في معنى الإدراك وتقديم تفسير صحيح لكيفية إدراك الذات، يمكن حل هذا التعارض.
خلاصه ماشینی:
مثلاً في الفلسفة الإسلامية، عندما يأتي فخر الرازي مقابل ابن سينا، الذي يرى العلم تحت مقولة الكيف النفساني، بالحديث عن إضافية العلم، لا يمكن القول إنه يتحدث عن حيث التفاتي أو مضاف بودن الإدراك، لأن نظرية حيث التفاتي ليست نظرية لبيان التعريف المنطقي للإدراك، بل للتأكيد على أهمية العلاقة بالمدرَك في عملية الإدراك.
من هذه العبارات، يمكن أن ندرك بوضوح أن ابن سينا يرى الإدراك ذا حيث التفاتي ويجعله مضافًا إلى مدرك خارجي، لكن هل هذا يعني أنه يعتبر قوام الإدراك بهذه الخاصية ويعتقد أن تحقق الإدراك للإنسان، دون ارتباطه بالأشياء الخارجية المحيطة به غير ممكن؟ للإجابة على هذا السؤال، سنبحث هذا الموضوع أولاً فيما يتعلق بالإدراك الحسي.
في الإدراك الحسي، المدرك، وهو النفس المجردة عن المادة، بواسطة الصورة المحسوسة هي التي ترتبط بالشيء الخارجي وتدركه، لكن هذا الإدراك في نظر ابن سينا ليس إدراكًا حقيقيًا، لأن هذه الصورة المحسوسة ليست حقيقة ذلك الشيء الخارجي، بل هي شبح وصورة منه.
هل حقًا للإنسان العادي تجربة من إدراك حقيقي لشيء لا يقوم على حيث التفاتي وعلاقة حسية بذلك الشيء؟ يبدو أن ابن سينا يرى أغلب الناس قريبًا من الاتفاق محرومين من تجربة مثل هذا الإدراك، ومن هنا يقول صراحةً: «الوصول إلى حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر، ونحن لا ندرك إلا خواص الأشياء ولوازمها وأعراضها، ولا نعرف الفصل المقوم لكل واحد منها الذي يدل على حقيقته، بل نفهم أنها أشياء لها خواص وأعراض.
Simons, Peter, (1995), "Introduction to the Second Edition" in: Brentano, Franz, Psychology from an Empirical Standpoint, Trans.