چکیده:
تأكيد الغزالي الصوفي، مثل سائر الصوفيين، ينصب على العلم الباطن (الحقيقة) في مقابل العلم الظاهر، والتأويل من هذا المنظور هو جهد للوصول إلى المعنى الباطني للنص. لذلك، في منظومة فكر الغزالي، يرتبط التأويل بنوع من المعرفة بالحكمة وباطن الشريعة. فقط العرفان يمكنه إيصال المعرفة إلى مستوى «المعرفة» (المعرفة اللدنية)، وهو المستوى الذي يختبر فيه الفرد ما يعرفه بكل كيانه، أي تجربة الله دون وسيط، حيث لا يتبقى للفرد أي أنانية (حالة من ترك أو نفي النفس تسمى «الفناء») ويندمج تماماً في وجود الله («البقاء»). ومع ذلك، كان الغزالي يعتقد أن هذه التجربة ليست بديلة للفلسفة والدين، بل هي لتكميلهما ولتوفير أساس وهدف لهما.
خلاصه ماشینی:
(٣) في الخطاب ما بعد العلمي-العقلي عند الغزالي (الغزالي الصوفي)، قد تجاوز العلم كل أنواع الشك والريب؛ وتطهر ساحته من أي احتمال للخطأ والزلل والوهم؛ وفقد العقل عقليته وفقدت الروح روحانيتها؛ وسكر العقل وصارت الحجة والسببية وضيعة؛ ولم يعد اليقين يُنال من نور العقل والعلم؛ واختل اعتدال النقل والعقل وأصبح النقل محيطاً بالعقل؛ وعلى قامة العقل لُبِس ثوب من جنس الحديث والسنن الشرعية؛ وأصبحت أقدام المستدلين شديدة التفتيش وبلا تسليم؛ وطُهرت الصدور من الأفكار الفلسفية، وكل اعوجاج واستقامة، وكل خير وشر، قد جرى البحث عنه في قول (النقل) المقرر للنص الوجودي (الله) كما يقول مولانا: إن قال كفراً، ففيه ريح الدين وإن قال شكاً، صار شكه يقيناً إن قال اعوجاجاً، أظهر استقامة يا أيها الاعوجاج الذي زيّن الاستقامة بهذا الوصف، هل يمكن اعتبار الغزالي واضع «نظرية تقويض» تهدف إلى زعزعة التمايزات، والافتراضات، والمحدوديات، والتقابلات المفاهيمية (المعنوية) للنصوص الفلسفية، والفقهية، والكلامية في زمانه؟ هل يمكن افتراض أن قراءته التقويضية كانت تهدف إلى إسقاط وتفتيت النظم الفكرية الدينية الفرعية بشكل متواصل من خلال كشف المنطق، والافتراضات المسبقة، والبنى التي كانت تشكل تقليد الفكر الديني السائد؟ هل يمكن اعتباره صانعاً/مدمراً للفكر، يقوم بانتزاع المفاهيم الدينية وغير الدينية من مكانها (ومن سياقها النصي) ويعيد صياغتها في سياقات أوسع وأشمل؟ هل كان يقرأ النصوص لكي يُظهر تناقضاتها الداخلية بواسطة معاييرها الخاصة، ويهيئ الأرضية لتقويضها أو نقدها وردها؟ هل كان تأويله الباطني يتمتع بالإمكان والاستعداد اللازمين للنصوص التي كانت تمتلك بنية وعمقاً عقلياً؟ وهل يمكن اعتبار قراءة هذا الحكيم الذي صرّح بأن في جسده روحاً أخرى، وفي روحه حياةً ولحظةً أخرى في ضوء علم اليقين، قراءةً محايدة ومتحررة من التعصبات الأرثوذكسية؟ إن الفرضية التي يسعى هذا البحث لإثباتها أو إبطالها، تقوم على هذه الفكرة: أن الغزالي كان واضع نوع من النقد من الداخل، مما يستلزم وضع النفس داخل النص وإظهار كيف نشأت التأويلات داخل النص، وما هي الأمور التي همشتها هذه التأويلات، أو افترضتها مسبقاً، أو تجاهلتها.