چکیده:
تعد الجاهلية والمدنية من المباحث الجادة والواسعة في جميع أنحاء نهج البلاغة؛ لأن إزالة الجاهلية ومظاهرها من المناسبات الإنسانية وتحقيق المدنية ومؤشراتها في الحياة هي من استراتيجيات الإمام علي (عليه السلام)، تبعاً للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم). المقال الحالي، باستخدام منهج «وصف تقابل المؤشرات» وبناءً على «حديث جنود العقل والجهل» الذي يعد نموذجاً بيانياً في تصوير الجاهلية والمدنية، يقوم بمراجعة وتحليل مؤشرات الجاهلية والمدنية في نهج البلاغة، ويركز على خمسة مؤشرات رئيسية: «عدم قيمة الإنسان وتغير القيم الإنسانية، وقيمة الإنسان وإقامة القيم الإنسانية»، «العصبية والعنف، واللين والرفق»، «انتهاك الحرمات والتجاوز، واحترام الحرمات والالتزام بالحقوق»، «الاستبداد والديمقراطية (حكم الشعب)»، و«حب الحرب وسفك الدماء، والميل إلى السلم والمسالمة». لقد حارب الإمام علي (عليه السلام) مؤشرات الجاهلية بشدة، وسعى جاهداً لتحقيق مؤشرات المدنية.
خلاصه ماشینی:
وقد قال أمير المؤمنين في تعبير آخر عن المسلمين البعيدين عن الإسلام النبوي والعائدين إلى الثقافة الجاهلية: فالله الله [اتقوا الله] في التكبر عن حمية، وفي التعالي على طريقة عصر الجاهلية، فإن ذلك مبعث العداوة والحقد، ومستقر نفث الشيطان؛ تلك النفثات التي خدع بها الأمم الماضية وأغوى بها الشعوب الهالكة، حتى اندفعوا مسرعين في ظلمات جهلها وعدم حكمتها وفيافي ضلالها، طائعين لدفعه، مستسلمين لأمره؛ وهي وظيفة تكررت فيها القصص في القلوب، وسارت عليها الأجيال المتعاقبة في ذات الطريق، وهو ذلك الكبر الذي تضيق به الصدور.
(المصدر نفسه) مفاهيم الجاهلية والمدنية من مجموع تعاليم أمير المؤمنين علي عليه السلام يمكن استنتاج أن الجاهلية والمدنية أمران جاريان يعبران عن نوع النظرة إلى الحياة والعلاقات والروابط، ونوع السلوك في مجالات الحياة المختلفة، كما قال الإمام بخصوص مقتل عثمان في فتنة الكور والمسائل التي تلت ذلك، (جعفري، 1372-1381: 141-143/3) قائلاً: إنّ هذا الأمر أمر الجاهلیة.
وفي تحليل الإمام علي عليه السلام، فإن العصبية والعنف الجاهلي أعيد إنتاجهما عندما عاد جمع من المسلمين إلى الوراء بعد النبي صلى الله عليه وآله (شریف رضی، 1387: 150).
(شريف رضي، 1387: ن 14، منقري، 1403: 204؛ ابن أبي شيبة، 1409: 724/8) الخلاصة للعبور من الجاهلية إلى المدنية، وبناءً على تعاليم وسلوك الإمام علي عليه السلام وما انعكس في نهج البلاغة، لا يوجد طريق سوى إيجاد قيمة للإنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والسعي الحثيث لإقامة القيم الإنسانية وصون كرامة البشر، وإزالة كل أشكال التعصب والعنف؛ فبدون صون الحرمات وتحقيق سيادة الحقوق، لا يمكن انتظار ظهور المدنية.