خلاصه ماشینی:
وتفاقمت التضييقات، سواء من جانب الخلافة العباسية أو من قبل أهل الحديث والسلفيين، تجاه المفكرين والعلماء الإسلاميين ذوي الفكر الحر، وبدأت رسمياً معركة الأشاعرة وأهل الحديث ضد المجموعات المختلفة ذات التوجهات الضيقة مثل المعتزلة ومتكلمي الشيعة والإسماعيلية، وبشكل خاص ضد الفلاسفة الإسلاميين الذين كانوا أكثر تقدماً من المعتزلة، وساد أسلوب التقليد والتعبد الفكري والاكتفاء بظواهر السنة وأقوال السلف، ونتيجة لذلك، ومنذ القرن الخامس فصاعداً، ولا سيما في القرن السادس الهجري، دخل أسلوب الاستدلال الفكري والتعقل الفلسفي والمناظرة والتحقيق في تبرير المسائل الكلامية والفلسفة الدينية في حالة من الانحطاط.
وعلى أي حال، كان أبو الحسن الأشعري بطل وقائد حركة الأشاعرة ومؤسس المدرسة الكلامية للمذهب الأشعري، ومن هذا المنطلق، نال مكانة رفيعة جداً لدى أهل الحديث والمذاهب الفقهية لأهل السنة (باستثناء الحنفية الذين كانوا يتبعون مذهب أبي منصور الماتريدي في المسائل الكلامية)، ولا سيما لدى الشافعية، لدرجة أنه قيل إنه يُعد حجة في العقائد الدينية الذي كان قد درس على يد الجبائي، ثار ضد المعتزلة.
وقد نقل ابن خلكان كيفية هذه المناظرة في "وفيات الأعيان" وترجمتها هي كالتالي: «سأل أبو الحسن الأشعري أستاذه المعتزلي أبي علي الجبائي عن ثلاثة إخوة: أحدهم مؤمن وتقي، والثاني كافر وفاسق، والثالث غير بالغ وصغير، وإذا ماتوا في تلك الحالة، فكيف ستكون أحوالهم في القيامة؟ قال الجبائي: الأخ المؤمن والتقي سيكون في نعيم الجنة، والأخ الكافر سيكون في دركات النار معذباً، والأخ الصغير سيكون في الأعراف (بين الجنة والنار).
وهكذا، في أوائل القرن الرابع الهجري، أي عندما ثار أبو الحسن الأشعري (مؤسس مذهب الأشاعرة) ضد المعتزلة، كانت أحوال ومسار الأفكار الدينية للمسلمين، أي طبقة العامة، تجري ضد المعتزلة، وكانت هجمات أهل السنة وأصحاب الحديث والفقهاء ذوي التفكير البسيط، من الشيعة والسنة، ولا سيما أهل السنة والجماعة، موجهة نحو المعتزلة من كل جانب.