چکیده:
يعد بحث «البداء» أحد المباحث الكلامية والفلسفية التي تعود أصولها إلى القرآن والسنة. وقد أولى علماء الشيعة هذا المبحث اهتماماً أكبر من غيرهم من الفرق الإسلامية، وقاموا بتبيين أبعاده المختلفة بتعريف واضح ومنهج منطقي مستلهم من المستندات النقلية (القرآن والسنة) والأدلة العقلية. ولهذا السبب، يُعتبر «البداء» من الخصائص المميزة للشيعة الإمامية. ومنذ القدم، كان بحث «البداء» محل تحدٍ وإثارة للتساؤلات والشكوك من قبل المعارضين بسبب تأثيره على مجال المعارف الدينية (العلم الإلهي، التقديرات، واختيار الإنسان) وغموض فهمه. في العصر الحاضر، أثار السيد ناصر قفاري في كتابه «أصول مذهب الشيعة عرض ونقد» شبهات حول مسألة «البداء»، ونحن في هذا المقال، باتباع منهج السلف الصالح، وبعيداً عن التعصبات غير المنطقية وفي أجواء علمية وعقلانية، سنتناول تبيين «البداء» في مدرسة التشيع وسنقدم رداً مناسباً على شبهاته وأوهامه وندافع عن معتقدات الشيعة الحقّة. في هذا البحث، وبناءً على ترتيب مطالب الكتاب المذكور، حصرنا أهم شبهاته في خمسة محاور: 1. عدم ذكر «البداء» في القرآن وسنة النبي ﷺ. 2. «البداء» يستلزم الجهل في العلم الإلهي. 3. «البداء» فكر إسلامي أم ظاهرة غير إسلامية. 4. ادعاء علم الغيب للأئمة عليهم السلام. 5. «البداء» في خلافة أئمة الشيعة.
خلاصه ماشینی:
البداء في المصادر الدينية إن كلام قفاري القائل بعدم وجود ذكر لـ «البداء» في القرآن والسنة هو ادعاء لا أساس له، ولإثبات وهن كلامه سيتم الاستناد إلى نماذج من الآيات والروايات في مصادر أهل السنة؛ أ) البداء في القرآن الأمر الجدير بالاهتمام هو أن «البداء» له معنى لغوي، وهو ظهور الشيء بعد خفائه، أو ظهور رأي جديد، (فيروزآبادي، 1412: 1/170؛ جوهري، 1085: 6/2278؛ ابن فارس، 1404: 1/212؛ ابن منظور، 1408: 1/347)، وباتفاق العامة والخاصة لا يُستخدم «البداء» بمعناه اللغوي في حق الله تعالى.
تحرير محل النزاع والتحدي الفكري لقفاري بالنظر إلى المطالب السابقة، فإن السؤال الأساسي هو: أين يكمن محل النزاع بين مؤيدي ومعارضي «البداء»؟ الحقيقة هي أن علماء الشيعة قد قبلوا نوعين من التعريف لـ «البداء»؛ الأول هو التعريف اللغوي الذي يستلزم الجهل في العلم وتغيير الرأي، وهذا التعريف لـ «البداء» بالنسبة للإنسان صحيح، فعندما يقال إن فلاناً قد حصل له «بداء»، أي أنه اتخذ رأياً جديداً كان جاهلاً به سابقاً، ولكن بالنسبة لـ الله تعالى غير قابل للقبول، والله منزه عن الجهل.
حينها تلا مختار هذه الآية: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (الرعد: 39) وفي نهاية القصة يقول السيد قفاري: لقد ادعى مختار علم الغيب فيما سيحدث في المستقبل، ولكن لما وقع خلاف ذلك، قال: لقد حصل «بداء» لله.
يعتقد الشيعة أن المعنى اللغوي لـ «البداء» (أي ظهور الشيء بعد خفائه أو ظهور رأي جديد) يتناسب مع علم الإنسان، أما العلم الذاتي الإلهي فيمكن توجيهه مع «البداء» الاصطلاحي (أي الإبداء بمعنى الإظهار)، وبناءً على ذلك، فإن «البداء» في حق الله تعالى لا يستلزم الجهل في علمه الذاتي والأزلي.