چکیده:
إن العودة التدريجية لروسيا إلى ساحة القوى العالمية ورغبة النخب السياسية والعسكرية في هذا البلد في إحياء وضع موسكو السابق في الساحة الدولية، قد جعلت المنافسة بين موسكو وواشنطن والعواصم الأوروبية تسير بطريقة أوصلت مستويات العلاقات الودية والتعاون الاستراتيجي بين الشرق والغرب إلى أدنى مستوياتها خلال السنوات التي تلت الحرب الباردة الكلاسيكية. هذا الوضع، إلى جانب تحركات الناتو الجديدة في وسط أوراسيا والشرق الأوسط، وتشكيل منظمة شنغهاي للتعاون من قبل القوى الشرقية، يشير إلى أن وجهاً آخر للحرب الباردة، والذي يسمى اصطلاحاً بالحرب الباردة الجديدة، يتشكل اليوم. وفي هذا السياق، فإن تطورات السنوات الأخيرة في المناطق المجاورة لآسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط، تظهر علامات على تحول هذا المجال السياسي المهم إلى محور كبير للحرب الباردة وتضارب المصالح بين أمريكا وروسيا والصين في المستقبل القريب؛ وهو وضع يُشار إليه باسم اللعبة الكبرى الجديدة للقوى حول محور خزر-الخليج العربي باعتباره هارتلاند جديد. وفي هذا الصدد، تعد آسيا الوسطى والقوقاز من أهم عناصر تبني سياسات موسكو في الفضاء الواسع للاتحاد السوفيتي السابق. يأتي هذا في حين أن المسار التدريجي للوجود العسكري الأمريكي في آسيا الوسطى والقوقاز هو لعبة صفرية تجري على حساب روسيا. ومن وجهة نظر الاستراتيجيين الروس، فإن وجود القواعد العسكرية للولايات المتحدة في وسط أوراسيا يشكل عائقاً كبيراً أمام التوجه الجيوسياسي لموسكو مع جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز، ويجب أن تسعى موسكو نحو إزالة الهيمنة العسكرية لواشنطن والناتو في الحيز الخلفي لروسيا. لهذا السبب، ولإيجاد علامات ظهور حرب باردة جديدة في بداية الألفية الثالثة الميلادية، يتم توجيه أكبر قدر من الاهتمام إلى المناطق الجيوسياسية لوسط أوراسيا وأوروبا الشرقية.
خلاصه ماشینی:
وفي هذا السياق، فإن تطورات السنوات الأخيرة في المناطق المجاورة لآسيا الوسطى والقوقاز والشرق الأوسط، أظهرت علامات على تحول هذا المجال السياسي المهم إلى محور كبير للحرب الباردة وتضارب المصالح بين أمريكا وروسيا والصين في المستقبل القريب؛ وهو وضع يُشار إليه بوصفه "اللعبة الكبرى الجديدة" للقوى حول محور بحر قزوين والخليج العربي باعتباره "القلب الأرضي" (Heartland) الجديد.
ولكن، في أعقاب عودة موسكو إلى ساحة القضايا العالمية وطرح أفكار مثل 'الخارج القريب' والرغبة في إحياء الوضع السياسي والعسكري السابق لروسيا على الساحة الدولية من قبل النخب السياسية والعسكرية في هذا البلد، وكذلك النمو الاقتصادي غير المسبوق للصين وجهود هذه الدولة في سبيل تحديث هياكلها العسكرية، فقد نشأت دورة جديدة من التنافس بين واشنطن وموسكو من جهة، وواشنطن وبكين من جهة أخرى؛ لدرجة أنها أوصلت مستويات العلاقات الودية والتعاون الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واتحاد روسيا وجمهورية الصين الشعبية إلى أدنى مستوياتها خلال العقد الماضي.
ومن بين هذه العلامات يمكن الإشارة إلى الأمور التالية: التنافس التسلحي بين واشنطن وموسكو في إطار خطة درع الدفاع الصاروخي الأمريكي في الفضاء السوفيتي السابق وخروج روسيا من معاهدة القوات التقليدية في أوروبا، وتوسع الناتو إلى الشرق ومنطقة الشرق الأوسط، والمواجهة بين روسيا وأمريكا في البلقان وموضوع استقلال كوسوفو، والتنافس والمواجهة في القوقاز: الصراع العسكري بين روسيا وجورجيا ورد فعل الناتو، وكذلك قلق الغرب من سيطرة روسيا على موارد الطاقة وسعي موسكو لاستخدام هذا المورد كرافعة سياسية.