خلاصه ماشینی:
وهنا يواجه المجتهد أمام هذا التوجه ـ الذي اختاره في عمل الاجتهاد رغم أنه لا يصر على صحتها ومطابقتها للواقع ـ بهذا التساؤل: بالنظر إلى أنه ليس من الممكن للمجتهد أن يحصل على اطمئنان قطعي بصحة نصوص التشريع في مقام الاستنباط، فكيف يمكنه أمام الشكوك والأوهام التي يواجهها المجتهد من جهات مختلفة أن يعتمد على هذه النصوص في مقام الاجتهاد واستنباط الحكم الشرعي، وهل مثل هذا الاعتماد جائز؛ بالنظر إلى أن الإسلام لم يجز العمل بالظن والاعتماد عليه في التشريع؟ الجواب هو أن دين الإسلام في بداية التشريع وظهور نفسه، قد أجاز الاجتهاد وتحديد الواجب تجاه الشريعة من نصوص التشريع؛ بالرغم من أن هذا العمل في جميع مراحل وجوده لا يتجاوز مرتبة الظن والگمان إلى مرتبة اليقين؛ لأنه لم يكن ممكناً لكل فرد من المسلمين الذين عاشوا في عصر النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم أن يتلقوا الحكم الشرعي مباشرة من شخص حضرت النبي الأكرم صلی الله علیه و آله و سلم أو من الناس الذين لا شك في صدقهم وأمانتهم؛ وخاصة طبقة النساء وأولئك الذين كانوا يعيشون بعيداً عن المدينة المنورة.
ومما سبق، نصل إلى هذه النتيجة: وهي أن الاجتهاد والاستنباط بهذا المعنى ـ أي إقامة الدليل على تحديد الموقف العملي للمكلف تجاه الشرع ـ أمر لا يقبل الشك، ومن البديهيات التي لا تقبل الرد أو الإنكار أو النقد والنظر؛ لأنه بعد أن اتضح أن الأحكام الشرعية ليست في درجة من الوضوح والبيان تجعلها في غنى عن إقامة الدليل، فإنه ليس من المعقول أن نعتبر الاجتهاد بهذا المعنى عملاً غير مشروع؛ لأن اعتبار الاجتهاد غير مشروع سيؤدي في النهاية إلى الإهمال وتعطيل وجمود الشريعة، ومسلم به أن هذا العمل يخالف الحكم الضروري والشرع، ولا يتوافق مع خلود الشريعة وكونها الوسيلة الوحيدة لحل المشكلات والنزاعات والتناقضات في مختلف مجالات سلوك الإنسان عبر التاريخ.