چکیده:
يسعى هذا المقال، باستخدام المنهج «الوصفي والتحليلي»، إلى تبيين كيفية علم الله السابق والذاتي بالأشياء من وجهة نظر العرفان الإسلامي. إن تقديم صورة صحيحة لحضور الأشياء في مقام الذات الإلهية قبل إيجادها، يجعل علم الله السابق بالأشياء لا يُحسب ضمن مقولة «العلم بدون معلوم». يرى العرفاء أن الله تعالى وجود بسيط وغير متناهٍ يحيط بكل عالم الوجود، بحيث لا يتوافق مع الموجودات الحقيقية من حيث التوازي (المعرضية)، ولا من حيث الطول (الطولية). هذا الادعاء لا يعني نفي أي نوع من الكثرة في العالم الواقعي، بل يعني أن الوجود، بشكل حقيقي وذاتي، لا يُحمل إلا على ذات الحق المتعال؛ وبناءً عليه، فإن الكثرات المشهودة بمنزلة شئون ومظاهر وتجليات ذلك الوجود الواحد، لها حقيقة ونفس الأمر. يوضح هذا المقال أن الوجود المطلق يقتضي إطلاقاً يقسم الحق المتعال، بحيث تكون جميع الحقائق والأشياء في مقام الذات الإلهية موجودة بشكل غير متميز عن بعضها البعض. بناءً على ذلك، فإن علم الله الحضوري بذاته هو عين علمه الحضوري بالأشياء في مقام الذات.
خلاصه ماشینی:
ولكن هل بكل هذا العلم الواحد البسيط، يكون كل شيء معلوماً لله على نحو متمايز عن الأشياء الأخرى وبكل خصائصه، أم على نحو غير متمايز؟ تشير القرائن والشواهد في آثار محققي العرفان النظري إلى أنهم كانوا بصدد تبيين العلم المسبق والذاتي لله بالأشياء على نحو «بالتفصيل» و«بالكنه»، والمقصود بـ «بالتفصيل» أيضاً - كما أشير سابقاً - هو علم الله بالأشياء على نحو متمايز عن بعضها البعض ومع جميع أحكامها ومواطنها الخاصة.
ولكن للوصول إلى حقيقة وجهة نظرهم في هذا الصدد، من الضروري أولاً دراسة مكانة الله في نظام الحكمة العرفانية، وحقيقة مقام الذات وأحكامه وخصائصه، دون اعتبار التجليات والتعينات؛ ذلك لأن إدراك كيفية علم الله بالأشياء في مقام الذات مرهون بتبيين الهوية الإطلاقية للذات، وكيفية انبثاق الكثرات منها، وكيفية مصاحبته لها؛ وهي هوية تنشأ من خلال الإجمال الحقيقي والإطلاق الذاتي لنفسها، وتكون منشأ الظهور التفصيلي للأشياء (تركة اصفهاني، 1360، ص 114).
بناءً على ذلك، فإن متعلق العلم الأزلي والذاتي لله بالأشياء هو ذاته البسيطة التي تجمع في عين وحدتها وبساطتها جميع الأشياء بنحو بسيط وغير متمايز.
الهوية الوجودية للعلم الذاتي على الرغم من أن نوع النظر إلى مقام الذات المتعالية يحل مشكلة العلم الأزلي والذاتي لله بالأشياء، إلا أن هذا النوع من التحليل لمقام الذات قد يثير سؤالاً لدى القارئ يبدو أن الإجابة عليه ضرورية: لقد قيل في المناقشات السابقة إنه لا مجال لأي تمايز أو غلبة اسمية أو صفاتية في المقام الإطلاقي للذات، وأن جميع الكمالات الذاتية للحق المتعالي حاضرة في ذلك الموطن بنحو اندماجي.
والمقصود بـ «وجودية علم الله بذاته وبالأشياء في مقام الذات»، هو أنه في ذلك المقام، توجد جميع الحقائق والأشياء بنحو اندماجي وغير متمايز عن بعضها البعض في وجود الحق المتعالي، ولا يغلب أحدها على الآخر (قونوي، 1371، ص 235؛ جامي، 1370، ص 28 و201).